أخطاء الشركات.. حين اعتقدت كارفور أن السعر وحده يكفي لجذب المستهلك

2026/06/19 أرقام

عندما قررت "كارفور" دخول السوق اليابانية مطلع الألفية الجديدة، بدت كل المؤشرات مشجعة، خاصة في ظل أسعار العقارات المنخفضة بشكل كبير، كما أن الاقتصاد كان يمر بفترة ركود اعتقدت الشركة الفرنسية أنها ستدفع المستهلكين للبحث عن الأسعار الأرخص.

 

لم تكن "كارفور" شركة تفتقر إلى الخبرة، ففي ذلك الوقت كانت تمتلك أكثر من 370 متجر هايبر ماركت في 21 دولة، وتُعد واحدة من أكثر شركات التجزئة انتشارًا عالميًا،  كما اشتهرت بقدرتها على التكيف مع الأسواق المحلية عبر توظيف مدراء محليين وشراء نسبة كبيرة من منتجاتها من الموردين المحليين.

 

 

الوافد الفرنسي في شوارع طوكيو

بعد دراسة السوق، خلصت الإدارة إلى أن المستهلك الياباني أصبح أكثر حساسية للأسعار بسبب الركود الاقتصادي، وأن نموذج "الهايبر ماركت" الضخم الذي حقق نجاحًا في دول عديدة يمكنه اختراق سوق يصعب على الشركات الأجنبية اختراقها.

 

وفي عام 2001، افتتحت "كارفور" أول متجر لها بالقرب من طوكيو على مساحة 12 ألف متر مربع، وسط خطط طموحة للتوسع إلى عشرات الفروع، وبدت البداية واعدة للغاية، فقد تدفق المتسوقون بأعداد كبيرة حتى اضطرت الإدارة إلى تنظيم الدخول بسبب الازدحام، وتكرر المشهد نفسه عند افتتاح المتجرين التاليين.

 

لكن ما اعتبرته الشركة مؤشرًا على نجاح استراتيجيتها كان في الواقع مجرد فضول مؤقت، فبحسب محللين لقطاع التجزئة، جذبت التغطية الإعلامية المكثفة المستهلكين اليابانيين الذين أرادوا اكتشاف الوافد الفرنسي الجديد.

 

 خاصة بعدما صور دخوله على أنه تحدٍ أجنبي لسوق التجزئة المحلية، غير أن الزوار سرعان ما اكتشفوا أن المتاجر لا تقدم شيئًا مختلفًا عما يمكن العثور عليه لدى المنافسين اليابانيين.

 

 

الفضول الذي خدع "كارفور"

افترضت "كارفور" أن المستهلك الياباني يتصرف مثل المستهلكين في أسواق آسيوية أخرى، وأن السعر المنخفض هو العامل الحاسم في قرار الشراء، لكن الواقع كان مختلفًا، فالعميل في اليابان يمنح الجودة والثقة والموثوقية أهمية لا تقل عن أهمية السعر، بل تتفوق عليها أحيانًا.

 

والأهم من ذلك أن الشركة لم تستغل الميزة التي كان ينتظرها العملاء منها، فبدلًا من تقديم تشكيلة واسعة من المنتجات الفرنسية والأوروبية المميزة، كانت أكثر من 90% من السلع المعروضة محلية المصدر، وهكذا جاء المتسوق بحثًا عن تجربة فرنسية مختلفة، ليجد منتجات مشابهة لما تبيعه المتاجر اليابانية يوميًا.

 

في الوقت نفسه، كانت سلاسل التجزئة اليابانية قد استعدت مبكرًا لدخول المنافس الأجنبي، وخفضت أسعارها بصورة كبيرة، لذلك لم تعد "كارفور" قادرة على تقديم فارق سعري كافٍ لإقناع العملاء بتغيير عاداتهم الشرائية.

 

كما أخطأت الشركة في فهم نمط الحياة الياباني، فالمنازل اليابانية غالبًا ما تحتوي على مساحات تخزين وثلاجات صغيرة، ما يجعل التسوق اليومي من المتاجر القريبة أكثر ملاءمة من القيام برحلات أسبوعية إلى متاجر ضخمة خارج المدن.

 

وبينما راهنت "كارفور" على نموذج "الهايبر ماركت" الواسع ومواقف السيارات الكبيرة، فضّل المستهلكون المتاجر الأقرب إلى منازلهم وأماكن عملهم.

 

 

الإنكار ومحاولات إنقاذ الوضع

وبعد أشهر قليلة من الافتتاح، اختفت الطوابير التي ملأت المتاجر في البداية، وأصبحت الممرات الطويلة شبه خالية، وتشير تقديرات إلى أن الفروع الأولى كانت تتكبد خسائر شهرية كبيرة، فيما جاءت المبيعات أقل من التوقعات بنحو 20%.

 

في البداية، نفت "كارفور" ذلك مؤكدة أنها ستمضي قدمًا في خطتها الطموحة للتوسع التي أشارت إلى افتتاح 13 متجرًا على مستوى البلاد، وحاولت تصحيح المسار، إذ أضافت أقسامًا للخبز الفرنسي والكرواسون، ووسعت تشكيلة الوجبات الجاهزة والفواكه، وركزت على مناطق جديدة غرب اليابان أملاً في جذب المتسوقين.

 

 لكنها كانت تواجه منافسة شرسة من عملاقي التجزئة المحليين "إيون" و"إيتو-يوكادو"، اللذين امتلكا شبكات توريد أقوى وقدرة أكبر على تقديم الأسعار نفسها أو أقل.

 

وبمرور الوقت اتضح أن المشكلة لم تكن في حجم الاستثمار أو عدد الفروع، بل في سوء فهم السوق نفسه، فقد دخلت "كارفور" اليابان معتقدة أن المستهلك يبحث عن السعر الأرخص، بينما كان يبحث عن الجودة والثقة والتجربة الملائمة لأسلوب حياته.

 

 

الإقرار بالفشل

في النهاية، وبعد أربع سنوات كاملة من العمل دون تحقيق أي ربح، ودون أن تتجاوز حصتها السوقية في اليابان 1.4%، اتخذت "كارفور" قرارها النهائي بالانسحاب في عام 2005، وباعت متاجرها الثمانية المتبقية إلى أكبر منافسيها المحليين: سلسلة "إيون".

 

تعد قصة "كارفور" في اليابان من الاستثناءات في سجل شركة عُرفت عمومًا ببراعتها في التوسع الدولي وتكييف نفسها مع الأسواق المختلفة، لكنها أثبتت أن نموذجًا نجح في عشرات الأسواق قد يصطدم بجدار صلب حين يقابل ثقافة استهلاكية لها ذوقها الخاص.

 

المصادر: أرقام – وول ستريت جورنال – نيويورك تايمز – فاينانشال تايمز

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة