عندما نشر الكاتب الأمريكي "كورت فونيغوت" روايته "بيانو اللاعب" عام 1952، بدت رؤيته لمجتمع تديره الآلات أقرب إلى الخيال العلمي، ففي عالم الرواية، لم يعد هناك دور لمعظم البشر في سوق العمل، إذ تتولى الآلات تنفيذ المهام بينما يكتفي عدد محدود من المهندسين والمديرين بالإشراف على النظام الاقتصادي، أما البقية، فتتكفل الدولة بإعالتهم دون أن يكون لهم دور إنتاجي حقيقي.
بعد أكثر من سبعين عامًا، لا يبدو هذا السيناريو بعيدًا كما كان، فمع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، بدأت المخاوف تتزايد من أن تؤدي التكنولوجيا الجديدة إلى استبدال ملايين الوظائف، في الوقت الذي تتدفق فيه مكاسبها إلى عدد محدود من الشركات والمستثمرين ورواد الأعمال.

تركز الثروات
خلال السنوات الأخيرة، تحولت شركات الذكاء الاصطناعي إلى مراكز هائلة لتراكم الثروة، فبينما تستعد شركات مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" لمرحلة جديدة قد تشمل الطرح العام لأسهمها، تتضخم ثروات مؤسسيها ومستثمريها بوتيرة غير مسبوقة.
وعلى سبيل المثال، تضاعفت قيمة حصة "جنسن هوانج" (البالغة 4%) في شركة "إنفيديا" بنحو 50 ضعفًا خلال 7 سنوات فقط، كما تضاعفت ثروة رئيس شركة "أنثروبيك" لأكثر من ضعفين بعد جولة التمويل الأخيرة.
وارتفعت قيمة ثروات الأثرياء حول العالم من 79.6 تريليون دولار في عام 2020 إلى 98.3 تريليون دولار بنهاية 2025، مدفوعة إلى حد كبير بازدهار أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
|
طفرة الذكاء الاصطناعي تعزز الثروات حول العالم |
|
|
العام |
قيمة ثروات أثرياء العالم |
|
2020 |
79.60 |
|
2021 |
86.0 |
|
2022 |
83.0 |
|
2023 |
86.0 |
|
2024 |
90.5 |
|
2025 |
98.3 |
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: إذا كانت التكنولوجيا ترفع الإنتاجية والثروة الإجمالية للمجتمع، فلماذا لا تتوزع مكاسبها بالقدر نفسه؟
يرى العديد من الاقتصاديين أن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم هذه الفجوة بصورة أكبر من الثورات التقنية السابقة، فكلما ارتفعت عوائد رأس المال مقارنة بعوائد العمل، تركزت الثروة لدى مالكي الشركات والتقنيات بدلاً من العاملين.
وإذا تمكنت الأنظمة الذكية مستقبلاً من أداء نسبة كبيرة من الأعمال البشرية، فقد تصبح الحصة الأكبر من الدخل الاقتصادي من نصيب من يمتلكون الخوارزميات والبنية التحتية الرقمية.
حتى إن الرئيس الأمريكي "ترامب" يرى أن الأمريكيين يمكنهم أن يصبحوا أثرياء من خلال المشاركة في ثروات شركات الذكاء الاصطناعي، ورغم أن الخطة لا تزال غامضة، لكن الخبراء يقولون إن تطورها وكيفية تنفيذها قد يكون له عواقب وخيمة على الجمهور والصناعة.
ولهذا السبب بدأت تظهر مقترحات سياسية واقتصادية تهدف إلى توسيع دائرة المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي.

كيف يمكن إعادة توزيع ثمار طفرة الذكاء الاصطناعي؟
أحد أبرز هذه المقترحات يتمثل في إنشاء صناديق ثروة عامة تمتلك حصصًا في شركات الذكاء الاصطناعي، بحيث يحصل المواطنون بصورة غير مباشرة على جزء من العوائد المستقبلية للقطاع. وقد طرحت "أوبن إيه آي" فكرة مشابهة ضمن رؤيتها للسياسة الصناعية، فيما اقترح بعض الساسة الأمريكيين منح المواطنين حصص ملكية مباشرة أو توزيع أرباح دورية ممولة من مكاسب القطاع.
كما طُرحت أفكار أخرى تشمل فرض ضرائب إضافية على أرباح شركات الذكاء الاصطناعي أو على القيمة السوقية للشركات المستفيدة من الطفرة الحالية، ثم توجيه الإيرادات لتمويل برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني أو لدعم المتضررين من فقدان الوظائف.
لكن هذه المقترحات تواجه تحديات عملية، فحتى لو امتلكت الحكومات حصصًا صغيرة في الشركات الرائدة، فإن العوائد السنوية المتوقعة قد لا تتجاوز مئات الدولارات للفرد، وهو ما يجعلها بعيدة عن تعويض خسائر واسعة النطاق في الوظائف أو توفير دخل أساسي شامل.
لذلك يرى خبراء أن الحل الأكثر فاعلية قد يكون في مشاركة المكاسب داخل الشركات نفسها، وليس فقط عبر الحكومات، وهنا تبرز التجربة الكورية الجنوبية كنموذج لافت.

النموذج الكوري
مع الارتفاع الكبير في أرباح شركات الرقائق الإلكترونية نتيجة الطلب المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، دخلت الحكومة الكورية والنقابات والشركات في نقاشات حول كيفية تقاسم "الأرباح الفائضة"، وأسفرت هذه الجهود عن اتفاقات تمنح العاملين حصصًا مباشرة من ثمار الطفرة الحالية.
فقد وافقت "سامسونج" تحت ضغوط من موظفيها على ربط جزء من المكافآت بأداء الشركة المستقبلي، وذلك بعدما شهدت ثروة عائلة "لي" المالكة للشركة قفزة نوعية مدفوعة بالأداء المالي القوي.
بينما تعهدت شركة "إس كيه هاينكس" بتخصيص نسبة من أرباحها التشغيلية للعاملين على مدى سنوات طويلة، وتعكس هذه الخطوات فلسفة مختلفة تقوم على توسيع قاعدة المستفيدين من النمو التكنولوجي بدلًا من تركيز العوائد في أيدي المساهمين فقط.
وكما تخيل "فونيغوت" قبل أكثر من سبعة عقود مجتمعًا تنتج فيه الآلات الثروة بينما يتراجع دور البشر، يواجه العالم اليوم سؤالًا مشابهًا: هل ستصبح ثورة الذكاء الاصطناعي مصدرًا لازدهار جماعي أم أداة لتركيز الثروة بصورة غير مسبوقة؟ الإجابة لن تتوقف على التكنولوجيا نفسها، بل على السياسات والآليات التي تحدد من يملك ثمارها.
المصادر: أرقام – الإيكونومست - موقع "بروجكت سينديكت" – نيويورك تايمز – واشنطن بوست - معهد "كابجيميني" للأبحاث
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}