الذكاء الاصطناعي .. سلاح أمريكا الأقوى

2026/07/05 أرقام

لم تعد القوة العالمية تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانات النووية أو النفوذ الاقتصادي، بل باتت تُقاس أيضاً بمن يملك مفاتيح التكنولوجيا الأكثر تقدماً.

 

وفي عالم يتسابق نحو عصر الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الولايات المتحدة نجحت في امتلاك ورقة ضغط غير مسبوقة، بعدما أصبحت الشركات الأمريكية المطورة للنماذج الذكية الأكثر تطوراً تحت مظلة سلطة حكومية قادرة على التحكم فيمن يستطيع استخدام هذه التقنيات ومن يُحرم منها.

 

هذا التحول لا يعيد رسم موازين القوى التقنية فحسب، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تصبح فيها نماذج الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية تعادل في تأثيرها الأسلحة المتطورة والطاقة والعملة العالمية.


اتجاه معاكس

 

ورغم أن كثيرين رأوا في التطورات السياسية الأخيرة، ومنها الاتفاق مع إيران، دليلاً على تراجع النفوذ الأمريكي، فإن ما جرى في ملف الذكاء الاصطناعي يشير إلى الاتجاه المعاكس تماماً.

 

في يونيو/حزيران، أصدرت إدارة الرئيس دونالد ترامب أمراً لشركة أنثروبيك يقضي بمنع المستخدمين الأجانب من الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، والمعروفة باسم "Fable" و"Mythos".

 

جاء ذلك بعد تقارير تحدثت عن نجاح بعض المستخدمين في تجاوز الضوابط الأمنية للنظام، فيما يعرف بعمليات "كسر الحماية"، والتي تسمح باستغلال النموذج في تنفيذ مهام خطيرة مثل المساعدة في الهجمات الإلكترونية أو تطوير أسلحة بيولوجية.

 

ورغم أن الشركة سارعت لاحقاً إلى تعليق الخدمة للجميع، مؤكدة أن المخاطر التي أثيرت حول النموذج مبالغ فيها، كما أن الأساس القانوني للقرار الحكومي لم يكن واضحاً، فإن الرسالة التي وصلت إلى العالم كانت أكثر أهمية من القرار نفسه؛ إذ أصبح واضحاً أن وصول العالم إلى أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي قد يعتمد في النهاية على قرار سياسي يصدر من البيت الأبيض.

 

التدخل المباشر

 

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُظهر فيها واشنطن استعدادها للتدخل المباشر في قطاع الذكاء الاصطناعي. ففي مارس الماضي، صنفت الإدارة الأمريكية شركة أنثروبيك باعتبارها تمثل "مخاطرة على سلسلة الإمداد"، وهو تصنيف كشف استعداد الحكومة لفرض سلطتها حتى على الشركات الرائدة نفسها، قبل أن تمتد هذه السلطة لاحقاً إلى المستخدمين حول العالم.

 

هذا الواقع يفرض سؤالاً استراتيجياً على الولايات المتحدة وحلفائها: كيف يمكن إدارة هذه القوة الجديدة؟ وفي المقابل، كيف يمكن لبقية العالم التعامل مع وضع تصبح فيه التكنولوجيا الأكثر تأثيراً خاضعة لقرارات دولة واحدة؟

 

تقييد الوصول

 

في الحقيقة، ليست هذه السابقة الأولى التي تحاول فيها الولايات المتحدة احتكار أو تقييد الوصول إلى تقنيات متقدمة.

 

بعد الحرب العالمية الثانية، أوقفت تعاونها النووي مع بريطانيا، قبل أن تستأنفه لاحقاً عندما نجحت لندن في تطوير قدراتها الذاتية.

 

وخلال سبعينيات القرن الماضي، فرضت قيوداً على تصدير تقنيات التشفير الحديثة، قبل أن تدرك لاحقاً استحالة احتكارها مع انتشارها عالمياً.

 

وحتى اليوم، لا تزال واشنطن تحتفظ بأحدث معداتها العسكرية لنفسها، كما فعلت مع المقاتلة F-22، بينما أتاحت للحلفاء شراء النسخة الأقل تقدماً F-35.

 

 

هجمات إلكترونية

 

بيد أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تلك التقنيات في عدة جوانب. فإذا ثبت أن النماذج الأكثر تطوراً قادرة بالفعل على تنفيذ هجمات إلكترونية واسعة أو المساعدة في إنتاج مسببات الأمراض، فإنها قد تُعامل مستقبلاً بالطريقة نفسها التي تُعامل بها التقنيات النووية، باعتبارها شديدة الخطورة ولا ينبغي أن تكون متاحة للجميع.

 

في المقابل، يصعب ضمان احتكار هذه القدرات على المدى الطويل، تماماً كما حدث مع تقنيات التشفير، إذ يمكن للنماذج مفتوحة المصدر أن تتطور بسرعة وتنتشر عالمياً، بما يقلل تدريجياً من قدرة أي دولة على السيطرة المطلقة على التكنولوجيا.

 

ويبرز هذا التحدي بشكل أوضح في مجال الأمن السيبراني، حيث يكفي أن يمتلك المهاجم نموذجاً أكثر تطوراً بفارق بسيط حتى يكتشف ثغرة إضافية لا يستطيع الطرف الآخر رصدها، وهو ما يمنحه أفضلية قد تكون حاسمة.

 

وينطبق المنطق نفسه على التطبيقات العسكرية، مع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة التسليح الحديثة وإدارة المعارك.

 

معضلة اقتصادية

 

غير أن واشنطن تواجه في الوقت نفسه معضلة اقتصادية لا تقل أهمية عن الاعتبارات الأمنية. فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى قيادة سباق الذكاء الاصطناعي، بل تعتمد أيضاً على تصدير هذه التكنولوجيا إلى العالم وتحقيق عوائد ضخمة منها.

 

وتشير البيانات إلى أن نحو 80% من مستخدمي "أنثروبيك" يقيمون خارج الولايات المتحدة، كما أن نسبة كبيرة من الباحثين العاملين في الشركة يحملون جنسيات غير أمريكية، ما يعني أن فرض قيود واسعة قد يضر بالشركة نفسها ويقوض قدرتها على الابتكار.

 

كما شهد العقد الأخير تضاعف اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأمريكية بصورة لافتة، إذ ارتفعت مدفوعات القارة مقابل حقوق الملكية الفكرية الأمريكية بنحو خمسة أضعاف، وهو ما يعكس حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به شركات التكنولوجيا الأمريكية داخل الاقتصادات المتقدمة.

 

الاعتماد على الصين

 

في الوقت ذاته، لا ترغب واشنطن في دفع شركائها نحو الاعتماد بصورة أكبر على الصين، التي تُعد المنافس الأقوى لها في سباق الذكاء الاصطناعي.

 

لذلك يرجح أن تتبنى الولايات المتحدة نموذجاً يقوم على توزيع مستويات مختلفة من الوصول إلى التكنولوجيا، بحيث تحتفظ بأحدث القدرات لنفسها، وتمنح الحلفاء نسخاً أقل تقدماً، فيما تطرح للعالم نماذج أكثر تقييداً من حيث الإمكانات والوظائف الحساسة، مع تعزيز إجراءات السلامة والأمان.

 

مثل هذا السيناريو قد يضع الحلفاء الأوروبيين في موقف معقد، فهم لا يمتلكون حتى الآن شركات تضاهي الشركات الأمريكية الرائدة مثل أنثروبيك أو أو "أوبن أيه آي"، كما أنهم يواجهون بالفعل ضغوطاً أمريكية في ملفات التجارة والتحالفات والنظام المالي العالمي.

 

وإذا أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي البنية الأساسية للاقتصاد والأمن والدفاع، فإن الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة قد يتضاعف خلال السنوات المقبلة.

 

امتلاك النماذج لا يكفي

 

صحيح أن العلاقة ليست أحادية الاتجاه بالكامل، فالولايات المتحدة تحتاج إلى آلات تصنيع الرقائق الهولندية وإلى مصانع أشباه الموصلات في تايوان، كما أن بعض المستخدمين قد يتجهون إلى النماذج مفتوحة المصدر أو البدائل الأرخص، إلا أن امتلاك النماذج وحده لا يكفي، إذ يتطلب تشغيلها كميات هائلة من القدرة الحاسوبية ومراكز البيانات والطاقة الكهربائية.

 

وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تمتلك قدرة حوسبة تفوق أوروبا بنحو خمسة عشر ضعفاً، مع استمرار استثماراتها الضخمة في مراكز البيانات.

 

وإذا نجحت شركات مثل  "سبيس إكس" في تنفيذ مشاريعها الخاصة ببناء مراكز بيانات في الفضاء مستقبلاً، فقد تتسع هذه الفجوة بصورة أكبر.

 

وقد حذرت دراسة مستقبلية بعنوان "أوروبا 2031" من سيناريو تصبح فيه القارة الأوروبية معتمدة بشكل شبه كامل على النماذج الأمريكية في الأمن السيبراني والدفاع وقطاعات اقتصادية واسعة، بما يحولها إلى شريك تابع أكثر منها قوة مستقلة.

 

 

منظومات تقنية خاصة

 

ومن ثم، ترى تحليلات عديدة أن أفضل رد من الدول الأخرى لا يتمثل في فرض القيود أو انتهاج سياسات حمائية، وإنما في بناء منظوماتها التقنية الخاصة وتعزيز قدرتها على المنافسة.

 

ويبدأ ذلك بتوسيع الاستثمار في مراكز البيانات، وتوفير مصادر طاقة كافية، وتبسيط إجراءات الترخيص، وتخفيف القيود التنظيمية التي قد تعرقل شركات الذكاء الاصطناعي.

 

وفي أوروبا، تبدو الحاجة ملحة إلى تسريع تطوير البنية التحتية الرقمية والطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة، بينما سيكون من الأفضل لدول شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، تنسيق جهودها بدلاً من تكرار الاستثمارات بصورة منفصلة.

 

وفي النهاية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع اقتصادي واعد، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.

 

ومن يسيطر على النماذج الأكثر تقدماً، وعلى القدرة الحاسوبية التي تشغلها، سيمتلك نفوذاً يتجاوز حدود الاقتصاد ليصل إلى الأمن والدفاع والسياسة الخارجية.

 

وبينما تتمتع الولايات المتحدة اليوم بأفضلية واضحة، فإن بقية العالم لا تزال تملك فرصة لتقليص فجوة الاعتماد، شرط أن تتحرك بسرعة لبناء منظومات قادرة على المنافسة، لأن مستقبل النفوذ العالمي قد يُكتب هذه المرة داخل مراكز البيانات، لا في ساحات المعارك التقليدية.

 

المصدر: ذي إيكونوميست

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة