ليست ناطحات السحاب الشاهقة، ولا المطارات العملاقة، ولا المدن الذكية التي تُبنى من الصفر- مجرد شواهد على التقدم العمراني في آسيا، بل أصبحت أدوات تعكس موازين القوة بين الدولة ورأس المال والمجتمع.
خلف الصور اللامعة لمراكز الأعمال الحديثة وشبكات النقل المتطورة، تدور معركة أكثر تعقيداً حول ملكية الأراضي، وتوزيع الثروة، ومستقبل المدن، ومن يدفع الثمن الحقيقي لسباق التنمية.

المشاريع العملاقة
هذا هو المحور الذي يتناوله كتاب «الاقتصاد السياسي للمشاريع العملاقة في آسيا: سلطة الدولة، والسيطرة على الأراضي، والتدفقات المالية، ونزع الملكية»، الذي حرره الباحثان هيون بانغ شين ودونغ وان غيم، ويقدم قراءة نقدية للمشاريع العمرانية الضخمة التي أصبحت النموذج المهيمن للتنمية الحضرية في عدد من الدول الآسيوية، من بينها كوريا الجنوبية والصين والهند وماليزيا وتايوان وتركيا. ويخلص الكتاب إلى أن هذه المشاريع لا تمثل مجرد حلول هندسية أو عمرانية، وإنما أدوات سياسية واقتصادية تعيد تشكيل المدن والمجتمعات بما يخدم مصالح الدولة ورأس المال، غالباً على حساب الفئات الأقل نفوذاً.
يعتمد الكتاب على دراسات متعددة التخصصات في الجغرافيا والاقتصاد الحضري وعلم الاجتماع والهندسة المعمارية والمالية العامة، ليبين أن المشاريع العملاقة أصبحت وسيلة لإعادة رسم المشهد الحضري وتعزيز شرعية الحكومات، بالتوازي مع فتح مجالات جديدة لتدفق الاستثمارات المحلية والدولية.
ويرى الباحثان أن الحكومات الآسيوية لا تتعامل مع هذه المشاريع باعتبارها استجابة لأزمات المدن فحسب، بل بوصفها مشروعاً سياسياً متكاملاً يهدف إلى إعادة تنظيم استخدام الأراضي، وإعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، وخلق صورة حديثة للدولة في الداخل والخارج.
الخطاب الرسمي
في هذا السياق، يشير الكتاب إلى أن الخطاب الرسمي يروج لهذه المشاريع باعتبارها علاجاً لمشكلات الازدحام والتلوث ونقص البنية التحتية، خاصة في دول الجنوب العالمي التي شهدت نمواً سكانياً وصناعياً سريعاً. وتُقدَّم المدن الذكية بوصفها النموذج المثالي للمدينة المستقبلية، القائمة على التكنولوجيا والاتصال الرقمي وسهولة التنقل وكفاءة الخدمات.
غير أن المؤلفين يريان أن هذا الخطاب يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً، إذ تتحول شعارات «المدينة الذكية» و«الاستدامة» و«المدينة العالمية» إلى غطاء لعمليات واسعة من المضاربة العقارية، وخصخصة الأراضي، وإقصاء السكان، وتهميش المشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار.
ويؤكد الكتاب أن المشاريع العملاقة في آسيا لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد انعكاس للسياسات النيوليبرالية الغربية، بل هي نتاج تفاعل بين نموذج الدولة التنموية الآسيوي وسياسات تحرير الاقتصاد.
الدولة لم تتراجع عن دورها كما حدث في بعض الاقتصادات الغربية، وإنما أعادت صياغة دورها لتصبح شريكاً أساسياً في جذب الاستثمارات الخاصة، وتوفير الأراضي، وتمويل البنية التحتية، مع استمرارها في توجيه عملية التنمية.
نموذج اقتصادي هجين
وبذلك نشأ نموذج اقتصادي هجين يجمع بين قوة الدولة وآليات السوق، حيث تتولى الحكومات توفير البيئة القانونية والمالية والتنظيمية التي تسمح لرأس المال المحلي والعالمي بتحقيق أرباح كبيرة من تطوير المدن.
ويستند الكتاب إلى أفكار عدد من أبرز منظري العمران، مثل هنري لوفيفر وديفيد هارفي ومانويل كاستلز، لتوضيح أن الدولة لا تكتفي بدور المنظم، بل تتحول إلى مهندس ومدير ووسيط للمشاريع العملاقة.
وتظهر هذه الأدوار بوضوح في نماذج مثل جانجنام وسونغدو في كوريا الجنوبية، ومدينة تاويوان الجوية في تايوان، والمطار الثالث في إسطنبول، حيث لعبت الحكومات دوراً مباشراً في تصميم المشروعات وإدارتها بهدف تعزيز القدرة التنافسية للمدن على المستوى العالمي.
وفي حالات أخرى، مثل مدينة «دي إل إف سايبر سيتي» في جورجاون الهندية، وممر تكنولوجيا المعلومات في تشيناي، قامت الحكومات بتوفير الأراضي، وتعديل قوانين استخداماتها، وإبرام صفقات بين البنية التحتية والعقارات، بهدف جذب المستثمرين المحليين والدوليين.
شبكة مؤسسات
ويرى الكاتبان أن الدولة ليست كياناً واحداً متجانساً، بل شبكة من المؤسسات والوزارات والسلطات المحلية والشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية التي تتفاوض فيما بينها لإنجاز هذه المشاريع.
هذه الرؤية تساعد على فهم الطبيعة المعقدة لعملية صنع القرار، بعيداً عن اختزالها في دور الحكومة المركزية وحدها.
وتحتل الأرض موقعاً محورياً في تحليل الكتاب، إذ لا تُعامل بوصفها مورداً طبيعياً فقط، وإنما أداة سياسية واقتصادية لإعادة توزيع الثروة والسلطة داخل المدن.
ويبين الكتاب كيف تستخدم الحكومات قوانين نزع الملكية، وإعادة تنظيم الأراضي، والثغرات القانونية لتحويل الأراضي العامة والمشاعات إلى أصول تجارية تستقطب المستثمرين وتحقق أرباحاً ضخمة.
التوسع العمراني
في الصين، أدى منح الحكومات المحلية صلاحيات أوسع إلى تسريع عمليات الاستحواذ على الأراضي لخدمة التوسع العمراني، بينما لجأت حكومات الولايات في الهند إلى توظيف الأراضي العامة كوسيلة لجذب الاستثمارات العالمية وتمويل مشاريع البنية التحتية.
ويؤكد الباحثان أن هذه السياسات تحقق فوائد كبيرة للنخب السياسية وشركات التطوير العقاري والمؤسسات المالية والطبقات الوسطى في المدن، بينما تتحمل الفئات الأكثر هشاشة تكاليف الإخلاء القسري، وارتفاع أسعار المساكن، وتدهور البيئة.
ويحدد الكتاب ثلاثة أنماط رئيسية من المظالم المرتبطة بالمشاريع العملاقة، أولها غياب المشاركة الديمقراطية في التخطيط، حيث تُتخذ القرارات بعيداً عن المجتمع المدني والسكان المتأثرين.
وثانيها تهجير السكان وارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات بما يدفع أصحاب الدخل المحدود إلى أطراف المدن أو خارجها.
أما النمط الثالث فيتمثل في تنامي حركات المقاومة المجتمعية التي تسعى إلى الدفاع عن حقوق السكان في مواجهة عمليات نزع الملكية.

عراقيل وصراعات
ومع ذلك، لا يقدم الكتاب هذه المشاريع باعتبارها منظومات متماسكة تحقق أهدافها دائماً، بل يبرز أنها كثيراً ما تواجه عراقيل وصراعات وتعديلات مستمرة.
على سبيل المثال، يوضح أحد الفصول أن المحور المركزي لمدينة قوانغتشو الصينية لم يتشكل وفق خطة ثابتة، وإنما نتيجة سلسلة من التسويات السياسية والإدارية والمفاوضات بين الهيئات الحكومية والمطورين العقاريين، إضافة إلى التحديات التي فرضها الواقع العمراني.
ويشير المؤلفان إلى أن المشاريع العملاقة نادراً ما تنفذ كما خُطط لها، إذ تعيد النزاعات البيروقراطية والخلافات الاستثمارية والضغوط الاجتماعية تشكيلها باستمرار.
صورة الدولة الحديثة
كما يناقش الكتاب كيف تحولت هذه المشاريع إلى أدوات لصناعة صورة الدولة الحديثة، حيث تستخدم الحكومات مفردات مثل «الحداثة» و«الابتكار» و«الاستدامة» و«الرقمنة» لإظهار نفسها بوصفها قوى قادرة على المنافسة العالمية.
وتصبح المدن الجديدة، والأحياء المالية، والمطارات الضخمة، والمراكز اللوجستية، واجهات تعكس طموحات الدول في التحول إلى مراكز اقتصادية عالمية، لكنها في الوقت ذاته تفتح مجالات واسعة للمضاربة العقارية وتدوير رؤوس الأموال.
ويصف الكتاب هذه الظاهرة بأنها تمثل «الدورة الثانية لرأس المال»، حيث تتحول العقارات والبنية التحتية إلى المجال الرئيسي لتحقيق الأرباح عندما تتراجع فرص الاستثمار في القطاعات الإنتاجية التقليدية.
كما يوضح أن دولاً مثل الهند وماليزيا وتركيا تحاول محاكاة التجربة التنموية التي حققتها اقتصادات شرق آسيا، عبر التركيز على مشاريع ضخمة تمنح المدن مظهراً عالمياً وتجذب الاستثمارات الأجنبية.

"التحضر الآسيوي الداخلي"
ويطلق الباحثان على هذه الظاهرة مفهوم «التحضر الآسيوي الداخلي»، أي انتقال نماذج التنمية العمرانية من دولة آسيوية إلى أخرى، بدلاً من استيرادها حصرياً من الغرب.
بيد أن الكتاب يشير أيضاً إلى أن استمرار الاعتماد على المشاريع العملاقة، رغم الانتقادات المتزايدة، يعكس غياب نماذج بديلة للتنمية الحضرية.
ما زالت الحكومات ترى في المشاريع الضخمة وسيلة سهلة لإظهار الإنجاز السياسي وتحقيق النمو الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، حتى وإن كانت آثارها الاجتماعية والبيئية محل جدل واسع.
ويرى الباحثان أن المجتمعات المدنية بدأت بالفعل في بعض الدول الآسيوية بمقاومة هذه السياسات والمطالبة بحق السكان في المشاركة بصنع القرار وحماية الأراضي والموارد العامة، إلا أن الكتاب يقر بأن هذه الحركات كان يمكن أن تحظى بمساحة أكبر من التحليل الميداني لإبراز طبيعة مقاومتها وتأثيرها.
وفي المحصلة، يقدم الكتاب رؤية متعمقة للمشاريع العملاقة باعتبارها نقطة التقاء بين سلطة الدولة، والعولمة، ورأس المال، والطموحات التنموية، ويؤكد أن هذه المشاريع لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد منشآت هندسية أو بنى تحتية، بل باعتبارها أدوات سياسية واقتصادية تعيد تشكيل المدن والاقتصادات والعلاقات الاجتماعية.
ويخلص إلى أن المشاريع العملاقة ستظل جزءاً أساسياً من مستقبل التنمية في آسيا، لكن نجاحها الحقيقي لن يقاس فقط بحجم الجسور أو المطارات أو الأبراج التي تُشيَّد، وإنما بقدرتها على تحقيق تنمية أكثر عدالة، توازن بين جذب الاستثمار، وحماية حقوق السكان، وضمان أن تكون المدن المستقبلية فضاءات للعيش المشترك، لا مجرد منصات لتعظيم الأرباح ورموز لاستعراض القوة الاقتصادية والسياسية.
المصدر: موقع "إل إس إي"
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}