بينما كانت المؤشرات العالمية تتوقع طفرة سياحية كبرى تقودها الفعاليات الرياضية الضخمة، جاءت البيانات الميدانية من قلب أسواق المال لتكشف عن مفارقة اقتصادية حادة.
فالولايات المتحدة، التي كانت تاريخياً الوجهة المفضلة لرؤوس الأموال والسياح، باتت تواجه عزوفاً متزايداً من المسافرين الدوليين، حيث تواجه واشنطن شبح "ركود سياحي" غير متوقع بالتزامن مع عودة "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض.
الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية بين المستثمرين حول جدوى السياسات الحمائية الحالية وتأثيرها المباشر على إيرادات قطاع الخدمات وعوائد الشركات المدرجة.

ما حجم الخسائر المالية التي يواجهها قطاع السياحة الأمريكي؟
تشير تقديرات مؤسسة "توريزم إيكونوميكس" إلى خسارة القطاع نحو 16.6 مليار دولار في عام 2025.
يتوقع الخبراء اتساع العجز بمقدار 21 مليار دولار إضافية خلال العام الجاري نتيجة فقدان الحصة السوقية مقارنة بفترة ما قبل عودة "ترامب" للحكم.
ما الأسباب الهيكلية وراء تراجع جاذبية الولايات المتحدة للمسافرين؟
فرض الرسوم الجمركية المتقطعة وتشديد الإجراءات الحدودية وتطبيق سياسات تأشيرات أكثر تعقيداً وصرامة.
أدى انتشار الوكلاء الأمنيين في المدن الأمريكية ونشر القوات العسكرية في الخارج والخطابات السياسية الصارمة إلى دفع المسافرين لاختيار وجهات منافسة.
متى يتوقع الخبراء تعافي قطاع السفر الأمريكي بالكامل؟
تشير التوقعات إلى أن العودة لمستويات ما قبل الجائحة القياسية البالغة 80 مليون زائر لن تتحقق حتى عام 2029 (بالتزامن مع مغادرة "ترامب" للرئاسة).
يترقب السوق وصول 71 مليون سائح أجنبي هذا العام، وهو نمو متواضع لا يواكب الطفرة العالمية.
لماذا يُعد نمو السياحة في الولايات المتحدة متأخرًا عن العالم؟
انخفض معدل الوافدين إلى أمريكا بنسبة 5.5% عام 2025 رغم نمو السوق العالمي بمعدل 4.7%، ما يعني اتساع الفجوة بين نمو السياحة العالمية وتراجع الوفود الأمريكية لأكثر من 10 نقاط مئوية كاملة.
يتباين هذا الأداء مع مرحلة إدارة "جو بايدن" التي سجلت نموًا فاق المعدل العالمي بنحو 3 نقاط مئوية.

ما التغير الذي طرأ على تركيبة جنسيات السياح الوافدين لأمريكا؟
تراجعت أعداد السياح الأكثر إنفاقاً من المملكة المتحدة وألمانيا والصين لصالح تدفقات من دول أقل ثراءً.
ارتفعت وفود الإكوادور بنسبة 21% والمجر بنسبة 18% وكولومبيا بنسبة 16% هذا العام حتى شهر مايو.
كم يبلغ متوسط إنفاق السائح الأجنبي في الولايات المتحدة؟
ينفق الزائر الدولي ما متوسطه 4000 دولار لكل رحلة سياحية داخل البلاد.
انضمت أمريكا لمجموعة دول شهدت تراجعاً في الإنفاق السياحي خلال عام 2025 تضم هايتي وإيران ونيجيريا وباكستان، حيث تراجع إجمالي إنفاق الزوار بنسبة 4.6%.
ما هي الوجهات البديلة التي استقطبت المسافرين؟
استفادت الأسواق الآسيوية مثل الصين وهونج كونج واليابان من تدفقات السياح الذين تجنبوا أمريكا.
واصلت أوروبا استقطاب السياح بقوة مع تسجيل مكاسب متزايدة في النمسا واليونان وإيطاليا وإسبانيا.

ما حجم الأثر المالي لتراجع السياح الكنديين على قطاع الضيافة؟
تسببت النزاعات التجارية والتهديدات الجمركية من قِبل "ترامب" في إطلاق حملات مقاطعة كندية للسفر جنوبًا.
خسرت الفنادق والمطاعم ومتاجر التجزئة الأمريكية 4 مليارات دولار العام الماضي بسبب الانسحاب الكندي، واستمر الهبوط مع بداية 2026 بتراجع الرحلات الكندية بنسبة 11% حتى شهر أبريل.
ما هو حجم التراجع في تأشيرات الطلاب الأجانب؟
انخفضت تأشيرات الطلاب بنسبة 14% في عام 2025 تلاها تراجع إضافي بنسبة 9% حتى مايو الماضي، وتسبب هذا الانكماش في خسارة قطاعات التعليم والإسكان لمئات الملايين من الدولارات.
تراجعت تأشيرات الأعمال الصادرة لمواطني غرب أوروبا بنسبة 2% على مدار الـ 16 شهرًا الماضية، وتخطط نصف شركات إدارة السفر لتقليص رحلاتها للولايات المتحدة.
كيف تهدد التعديلات المقترحة على نظام الإعفاء من التأشيرة (ESTA) تدفقات الإنفاق؟
تتطلب التعديلات من مواطني أكثر من ثلاثين دولة متقدمة تقديم معلومات تتعلق بحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وبيانات الاتصال بالعائلة، وعناوين البريد الإلكتروني لعشر سنوات سابقة.
قد تحرم القواعد الجديدة أمريكا من 4.7 مليون زائر من الدول المتضررة، أي ما يقارب ربع العدد المعتاد، ما سيُحدث خسارة قدرها 15.7 مليار دولار في إنفاق السياح الأجانب.
نهاية المطاف
إن الواقع المالي الحالي يثبت أن "رأس المال السياحي" -تماماً كالاستثماري- يبحث دائماً عن البيئة الأكثر مرونة والأقل تعقيداً، وأن كلفة السياسات الحدودية المتشددة باتت تُخصم مباشرة من دفاتر أرباح قطاع الخدمات والضيافة الأمريكي.
وتبدو طفرة كأس العالم السياحية في أمريكا "وهمية"، حيث يقتصر الحضور الدولي المتوقع على 1.2 مليون مشجع من أصل 6 ملايين مقعد متاح للبطولة.
ومع تفضيل السياح تجنب أمريكا بسبب مخاوف الازدحام وارتفاع الأسعار الحاد وتعقيدات التأشيرات، أكد نحو 80% من ملاك ومُشغلي الفنادق أن مستويات الحجوزات جاءت أقل بكثير من توقعاتهم الاستثمارية.
ليبقى السؤال معلقًا بانتظار إجابة: هل ستجبر هذه الخسائر المليارية المتراكمة الإدارة الأمريكية الحالية على مراجعة سياساتها الحمائية، أم أن الضغوط السياسية ستتفوق على المصالح الاستثمارية لقطاع الخدمات والضيافة في أكبر اقتصاد بالعالم؟
المصدر: بلومبرج
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}