بدأت قصة الاقتصاد الأمريكي الحديث في عام 1789، عندما وضع الرئيس "جورج واشنطن" ثقته في "ألكسندر هاميلتون" ليتولى منصب أول وزير للخزانة في تاريخ البلاد.
في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة الوليدة ترزح تحت وطأة ديون ثقيلة، وتعاني من تشتت مالي يهدد بقاء الاتحاد.
فبينما نعتبر الثروة اليوم مزيجًا من الأصول المالية المتنوعة والمحافظ الاستثمارية الرقمية، كان المفهوم الأمريكي للثروة في عام 1776 يرتكز على ركائز ملموسة وغير إنسانية في آن واحد.

ما الذي شكل جوهر الثروة في المستعمرات الأمريكية قبل الثورة؟
اعتمدت الثروة بشكل رئيسي على ثلاثة أركان: حيازة الأراضي، والائتمان الشخصي، والاتجار بالبشر.
في ظل الحكم البريطاني، شكلت الأراضي المصدر الأكبر للثروة في كافة المستعمرات الأمريكية قبل الثورة، حيث تحولت إلى أصل مالي بفضل سهولة تسجيل عمليات البيع محلياً وقابليتها للرهن كضمان للديون.
ما دور الائتمان في غياب النظام المصرفي؟
في ظل عدم وجود بنوك مركزية أو عملات ورقية ثابتة، اعتمد الاقتصاد على الكمبيالات كأدوات للسيولة.
كان الائتمان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسمعة الشخصية والمكانة الاجتماعية للأمريكي في مجتمعه المحلي.
كيف أثرت العبودية في تراكم الثروات؟
شكل الرقيق جزءًا محوريًا من أصول الثروة في المستعمرات الجنوبية، حيث قُدرت قيمتهم ماديًا في سجلات التركات.
أسست القوانين العنصرية لنظام عبودية يورث للأجيال، ما حول الاسترقاق إلى وسيلة لتراكم الثروة عبر العصور.
كيف كانت تسوى المعاملات في القرن الثامن عشر؟
أصدرت المجالس البريطانية "سندات ائتمان" مدعومة بضرائب الأراضي أو الرهون العقارية لتوفير السيولة.
كانت هذه الأوراق النقدية البدائية تستخدم كعملة للتداول، رغم أنها لم تشكل سوى نسبة ضئيلة من صافي ثروة الأفراد.
كيف أثرت الثورة الأمريكية على مفهوم الثروة؟
رغم استمرار العبودية وأهمية الأرض، بدأت الدولة الجديدة في تغيير كيفية إدارة العلاقات المالية الرسمية.
نص الدستور الأمريكي الجديد على حظر الولايات من إصدار "سندات الائتمان" الخاصة بها.

كيف رسم "ألكسندر هاميلتون" خارطة الطريق للاقتصاد الأمريكي الحديث؟
في تقريريه الأولين حول الائتمان العام (14 يناير و13 ديسمبر 1790)، دعا "هاميلتون" إلى سداد الديون الوطنية بالقيمة الاسمية الكاملة، وتحمل الحكومة الفيدرالية لديون الولايات التي تكبدتها خلال الثورة.
كان دافعه سياسياً بقدر ما هو اقتصادي؛ فمن خلال سداد ديون الولايات عبر الحكومة المركزية، سعى إلى ربط النخب من ذوي الثروات والنفوذ – الذين كانوا يمتلكون معظم السندات المحلية – بمصلحة بقاء الحكومة الوطنية.
كيف أسس "هاميلتون" للبنك الوطني؟
في تقريره الثالث حول "البنك الوطني" (14 ديسمبر 1790)، دعا "هاميلتون" إلى إنشاء "بنك الولايات المتحدة" على غرار "بنك إنجلترا".
كان هدفه تعزيز الشراكة بين الحكومة وطبقات الأعمال التي ستستفيد أكثر من غيرها من هذا الكيان، ما يعزز هيمنة الحكومة الفيدرالية على النظام المالي.
كيف أثّر هذا النموذج على المستثمرين في ذلك الوقت؟
هدف برنامجه إلى تعزيز الحكومة الوطنية وربط الطبقات الثرية بمصلحة بقاء الدولة، وقاد "هاميلتون" إصلاحات مالية لإنشاء أصول وطنية آمنة، وهو ما أرسى قواعد سندات الخزانة الحالية.
وضع "هاميلتون" الأساس للمؤسسات المالية الفيدرالية التي تدير الائتمان والدين العام، ووفرت السندات الحكومية والمشاركة في البنك الوطني فرصاً استثمارية جديدة للنخبة المالية.

ما هي بذرة الحمائية التجارية؟
يُعد التقرير الرابع والأخير حول "الصناعات" (5 ديسمبر 1791) الأكثر تعقيداً وبعداً في الرؤية، حيث اقترح فيه "هاميلتون" دعم نمو الصناعات الناشئة من خلال القوانين الحمائية.
كانت الفكرة الجوهرية تكمن في أن الرفاه العام يتطلب تشجيع المصنعين، وأن الحكومة الفيدرالية ملزمة بتوجيه الاقتصاد لتحقيق هذه الغاية، وهو ما وضع بذرة الحماية التجارية في الاقتصاد الأمريكي.
كيف اختلف "هاميلتون" مع "آدم سميث"؟
في صياغته لتقريره، استند "هاميلتون" بشكل كبير إلى كتاب "ثروة الأمم" الصادر عام 1776 للاقتصادي السياسي الأسكتلندي "آدم سميث".
مع ذلك، ثار "هاميلتون" ضد فكرة "عدم التدخل" التي نادى بها "سميث"، معتبراً أن الدولة يجب ألا تقف مكتوفة الأيدي تجاه العمليات الاقتصادية، بل يجب أن تتدخل عبر تقديم الإعانات والتعريفات الجمركية وغيرها من أشكال الدعم.
نهاية المطاف
إن نظرة "هاميلتون" الاقتصادية لم تكن مجرد نصوص على ورق، بل كانت محاولة لهندسة اقتصاد صناعي قوي يقلل الاعتماد على الخارج، والانتقال من اقتصاد يعتمد على "أصول ملموسة وديون شخصية" إلى نظام "مالي مؤسسي" تقوده سندات الخزانة والقطاع المصرفي.
وبالرغم من النزاعات السياسية التي أحاطت بخططه، فإن نجاحه في تأسيس نظام ائتماني متين وإرساء مبدأ السلطات الحكومية الواسعة، ساهم في تحويل الولايات المتحدة من مجرد كيان زراعي هش إلى قوة اقتصادية صاعدة عالمياً.
وعلى الرغم من عبقرية التقرير الرابع، فإنه لم يلقَ صدىً كبيراً لدى معاصري "هاميلتون"، فقد تجاهله الكونجرس تماماً في ذلك الوقت ولم يطبق مقترحاته المتعلقة بالحماية الصناعية.
ومع ذلك، كان للتقرير جاذبية أكبر لدى الأجيال اللاحقة التي أدركت أهمية الرؤية التنموية التي وضعها لهيكلة الاقتصاد الوطني.
المصادر: أرقام - فاينانشال تايمز - بريتانيكا
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}