رقعة دومينو واحدة ومليون لاعب.. كيف تفوز؟

2026/07/25 أرقام - خاص

في ركن المجلس بأحد المنازل في ضواحي الرياض، حيث اعتادت مجموعة من الأصدقاء الاجتماع مساءً في الصيف، كان الهدوء يسود المكان إلا من أصوات أنفاسهم وطرقعات أحجار الدومينو.

 

 

كل ضربة على الطاولة كانت إعلانًا عن باب جديد من القطع أو ربما فخ لأحد المنافسين. لم يكن أحد ينظر إلى الورق في يده بل كان الجميع ينظر إلى عيون بعضهم.

 

حرّك "خالد" إصبعه فوق آخر ورقتين معه (ستة-خمسة وستة-أربعة)، خصمه على اليمين ابتسم، شريكه تناول كوبًا من الماء، ولم ينطق بكلمة، والمنافس على اليسار يراقب في صمت وهو يرتشف القهوة.

 

كل لاعب يحمل ورقة واحدة إلا "خالد"، أي ورقة سيختارها ستحدد نتيجة المباراة، لكن الغريب أن "خالد" لم يكن يفكر في الورقتين، كان يحاول أن يتذكر شيئًا آخر.

 

في ذهن "خالد" كانت اللقطات الأخيرة تُعاد بسرعة: خصمه على اليمين مرر (لم يلعب) عندما فُتحت الخمسات، إذن لا يملك خمسة، واللاعب على اليسار اندفع بثلاثة-إثنين رغم أن الأربعة كانت متاحة، إذن الأغلب أنه يفتقد الأربعات.

 

أما شريكه فلم يتردد مرة واحدة عندما كانت الستة هي المسيطرة على الطاولة. والخيارات المتاحة الآن هي إما أن يفتح بابًا للخمسات أو الأربعات أو يفتح بابين للرقم ستة.

 

وهنا ابتسم "خالد"، مد يده ببطء، ووضع الستة-أربعة على الطاولة ليغلق خيار الأربعات ويتجاهل الخمسات، بعد ثانيتين فقط انتهت الجولة بفوز زميله.

 

لم يفز الفريق لأن أوراقه كانت أفضل بل لأن قراءته للعقول كانت أفضل، والخطأ أن تظن أن "خالد" كان يحسب قطع الدومينو، ففي الحقيقة كان يحسب البشر وقراراتهم مع كل لعبة.

 

 

هذا بالضبط ما تفعله الأسواق المالية كل يوم.

 

إذا كانت مباراة دومينو بين أربعة لاعبين تحتاج لكل هذا التفكير، فتخيل مباراة أخرى تضم ملايين اللاعبين على طاولة واحدة، ولا أحد يرى أوراق الآخر، ولا أحد يعرف من يخدع، ومن يملك سرًا، ومن ينسحب، تلك المباراة اسمها: "سوق الأسهم".

 

ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر النظريات تأثيرًا في الاقتصاد والمال والسياسة: "نظرية الألعاب" (Game Theory).

 

كيف تعمل في السوق؟

 

- يواجه المستثمرون معضلة: الفائز ليس دائمًا من يختار السهم "الأفضل" جوهريًا، بل يرتبط أحيانًا بالقدرة على التنبؤ بدقة بما سيفعله الجمهور، هذه هي "نظرية الألعاب" المعنية بدراسة عملية اتخاذ القرار عندما تعتمد النتائج على اختيارات الآخرين.

 

- ببساطة نظرية الألعاب هي إطار تحليلي يُستخدم لفهم التفاعلات الاستراتيجية بين صانعي القرار العقلانيين، أي إنها التحليل النظري لعملية اتخاذ القرارات (في الأسواق والاقتصاد وحتى السياسة).

 

- تتضمن تحليل سيناريوهات مختلفة، حيث لا يعتمد مردود قرار اللاعب على أفعاله فقط، بل أيضًا على أفعال اللاعبين الآخرين. معظم هذه الخيارات خارجة عن سيطرة أي لاعب بمفرده، لذا يجب مراعاة النتائج المحتملة للعديد من المدخلات المختلفة.

 

- تمامًا كما فعل "خالد" في لعبة الدومينو، لم يكن السؤال: "ما هي أفضل قطعة ألعبها؟"، بل: "ما القطعة التي يتوقع الآخرون أن ألعبها؟" و"ما القطع التي قد يمتلكونها؟".

 

- وُلدت النظرية عام 1944 بشكلها الحديث عندما نشر عالم الرياضيات "جون فون نيومان" والاقتصادي "أوسكار مورغنسترن" كتاب "نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي"، وافترضت وجود فاعلين عقلانيين تمامًا يتمتعون بمعلومات كاملة.

 

- لكن مع ظهور الاقتصاد السلوكي تطورت، حيث أشار باحثون إلى أن الافتراضات الصارمة لنظرية الألعاب غالبًا ما تكون غير صحيحة، إذ يمتلك الأفراد معرفة وعقلانية محدودتين.

 

- عمليًا، تبقى نظرية الألعاب عدسة مهمة ينظر من خلالها الاستراتيجيون إلى الأسواق، ليس كآلات أسعار ثابتة، بل كألعاب واسعة النطاق متعددة اللاعبين.

 

 

حلل النفوس قبل الرسوم

 

- في سوق الأسهم، يُمكن استخدام نظرية الألعاب لتوقّع تصرّفات المُستثمرين والمؤسسات الأخرى، الذين ستُؤثّر تصرّفاتهم على قيمة قراراتك.

 

- تشمل العناصر الرئيسية لنظرية الألعاب: اللاعبين، وهم الأفراد أو الكيانات التي تتخذ القرارات، والاستراتيجيات، وهي الخيارات المُتاحة لكل لاعب.

 

- بشكل عام، تفرض عليك النظرية سؤالين مهمين: ما الذي أعتقد أن المستثمرين الآخرين سيفعلونه؟ وما الذي يعتقدون أنني سأفعله؟ ولا تكتفي بالنظر إلى الأساسيات والتحليل.

 

- على سبيل المثال، إذا كنت تعتقد أن سعر سهم ما منخفض ولكن الجميع على وشك بيعه، فقد تبيعه أنت أيضًا أو ستخاطر بخسارة كل شيء.

 

- وفقًا للتحذير الكلاسيكي من "هوارد ماركس"، لا يكفي أن تكون على صواب، بل يجب أن تكون أكثر صوابًا من الآخرين، أي أن توقعاتك يجب أن تختلف عن الإجماع لتحقيق ربح إضافي.

 

- باختصار، يُمارس المستثمرون الأذكياء "ألعابًا ذهنية" باستمرار، فهم لا يكتفون بتحليل الأساسيات، بل يُحاولون وضع نموذج لما يتوقعه الآخرون بشأنها.

 

جانب تطبيقي: ذعر وفقاعات

 

- تظهر ديناميكيات نظرية الألعاب في مختلف مراحل التاريخ المالي، وتُعدّ عمليات سحب الودائع من البنوك بشكل هلعي مثالًا نموذجيًا.

 

- قد يكون البنك قادرًا على الوفاء بالتزاماته المالية، لكن إذا اعتقد المودعون أن الآخرين سيسحبون ودائعهم، فإن التصرف المنطقي هو الإسراع إلى سحب الودائع.

 

- يمكن للخوف الجماعي أن يخلق الأزمة التي كان الجميع يخشاها، وقد حدث ذلك في أمريكا خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وحتى مؤخرًا خلال أزمة "سيليكون فالي بنك".

 

 

- يعمل سلوك القطيع والذعر بشكل مشابه في أسواق الأسهم، فغالبًا ما يندفع المستثمرون إلى سوق صاعدة لمجرد أن الآخرين يفعلون ذلك، إلى أن ينقلب الوضع فجأة ويهرع الجميع للخروج.

 

- إن الخوف من تفويت الفرصة غالبًا ما يكون الدافع وراء "غريزة القطيع"، مما يؤدي إلى "ارتفاعات وانخفاضات غير مبررة في السوق"، ولعل فقاعة الإنترنت تعد مثالًا بارزًا على ذلك.

 

- يعترف المحللون بأن قلة من العوامل الأساسية دعمت تلك الأسعار المرتفعة في أواخر التسعينيات، لكن الجميع اشترى؛ لأنه ببساطة "كان الجميع يشتري".

 

أفكار الآخرين تحدد قرارك

 

- تُعدّ عمليات الضغط على مراكز البيع المكشوفة شكلاً من أشكال التداول الجماعي، فعندما تراهن العديد من صناديق التحوّط ضد سهم ما (بيعه على المكشوف)، يُجبر كل مشترٍ جديد البائعين على المكشوف على تغطية مراكزهم بشراء الأسهم، مما يدفع السعر إلى مزيد من الارتفاع.

 

- كان سهم "جيم ستوب" في أوائل عام 2021 مثالًا واضحًا على ذلك، فخلال شهر يناير من نفس العام، تجمع عدد كبير من المتداولين الأفراد على منصة "ريديت" حول فكرة شراء السهم بكميات كبيرة لمعاقبة صناديق التحوّط.

 

- مع بيع حوالي 140% من الأسهم المتداولة على المكشوف، أجبرت موجة الشراء المحمومة البائعين على المكشوف على التدافع لتغطية مراكزهم.

 

- النتيجة: ارتفع السهم بأكثر من 1500% في غضون أسابيع قليلة، مما تسبب في خسائر فادحة لبعض الصناديق ومكاسب هائلة لمن توقعوا هذا الارتفاع.

 

- في مثال آخر، يعود الصعود الصاروخي لسهم "إنفيديا" إلى الإيمان الجماعي بمستقبل الذكاء الاصطناعي بقدر ما يعود إلى مبيعات الرقائق الفعلية.

 

- ففي النصف الأول من عام 2023، ارتفع سهم الشركة بنحو 190% مدفوعًا بالضجة الإعلامية حول الذكاء الاصطناعي.

 

 

- جاءت تقديرات الشركة للأرباح المستقبلية أعلى من توقعات المحللين ما حفّز الارتفاع، لكن لم يراهن المستثمرون الأذكياء على أسهم التكنولوجيا فحسب، بل راهنوا على أن الجميع سيراهن عليها.

 

- تعود جذور ظواهر أخرى مثل ديناميكيات المزادات، والهوس بالاكتتابات العامة الأولية، وحتى مفاجآت الأرباح، إلى ألعاب التوقعات.

 

- فمثلًا، قد تتجاوز أرباح شركة ما توقعات المحللين، ومع ذلك ينخفض ​​ سهمها إذا لم تتجاوز التوقعات العالية التي وضعها المستثمرون أنفسهم.

 

- في نهاية المطاف، يمكن تفسير كثير من المواقف الاستثمارية التي تعتمد نتائجها على توقعات الآخرين من خلال مفاهيم نظرية الألعاب، وإذا أدركت ما يفكر فيه الآخرون وما يتوقعونه منك، فقد تفوز.

 

التفكير من المستوى الثاني

 

- إذا كنت تتساءل كيف يستخدم المستثمرون الناجحون نظرية الألعاب؟ فإنهم يتبعون ما يسميه "هوارد ماركس" بـ "التفكير من المستوى الثاني": أي التفكير في كيفية تفكير الآخرين.

 

- بدلاً من السؤال "هل هذه الشركة جيدة؟"، يسألون "ما الذي يتوقع الآخرون أن أفعله بشأن هذه الشركة؟" أو "أين يكمن خطأ الرأي العام؟".

 

- يوضح "ماركس" التفكير من المستوى الأول بقوله: "هذه شركة جيدة، فلنشترِ سهمها"، أما التفكير من المستوى الثاني: "هذه شركة جيدة، لكن الجميع يعتقد أنها رائعة، وسعر السهم مبالغ فيه؛ فلنبِعْه".

 

- في حين يندفع متداولو الزخم نحو الاتجاهات السريعة، يتساءل المستثمر الخبير: "متى سيضغطون على زر البيع؟".

 

- باختصار، يبني كبار المتداولين استراتيجياتهم في أذهانهم: "إذا قمتُ بالإجراء "س"، فمن المرجح أن يقوم الآخرون بالإجراء "ص"، ثم سأقوم أنا بالإجراء "ج"، وهكذا.

 

 

ألعاب ذهنية بلا قواعد جاهزة

 

- يُحسّن فهم نظرية الألعاب من حدة إدراكك، لكنه لا يضمن لك الفوز، فهي تُعلّمك أن السوق في جوهره ساحة استراتيجية، يُمكنها تحسين عملية اتخاذ القرارات، من خلال مساعدتك على تحديد متى يكون الرأي السائد مُبالغًا فيه.

 

- لكنها لا تستطيع القضاء على المخاطر أو عدم القدرة على التنبؤ، فالأسواق مليئة بالتشويش، والأحداث غير المتوقعة، والمفاجآت الحقيقية التي لا يُمكن لأي نموذج التنبؤ بها.

 

- ما تضمنه نظرية الألعاب هو تغيير في طريقة التفكير: فبدلًا من السؤال "هل سيرتفع سعر هذا السهم؟" تبدأ بالسؤال "ماذا يعتقد الآخرون أنه سيحدث؟ وهل أنا مُتفق معهم أم مُعارض؟".

 

- في النهاية، لم يفز "خالد" لأنه عرف القطعة التالية فقط، بل لأنه أدرك كيف يفكر خصومه، وطرح على نفسه الأسئلة الصحيحة، وفي الأسواق، قد تكون قراءة توقعات الآخرين أحيانًا بنفس أهمية قراءة القوائم المالية.

 

- إن سوق الأسهم ليست مجرد ساحة لتقييم الشركات، بل منافسة عقول، لذا إذا لعبتَ جيدًا (اكتفيت بالتحليل)، قد لا يكون ذلك كافيًا للفوز في كل مرة.

 

المصادر: أرقام- موتلي فول- تقارير الاحتياطي الفيدرالي- الوكالة الفيدرالية للتأمين على الودائع- بريتانيكا- هيئة البورصات الأمريكية- بارونز- معهد CFA- دراسةSocial Media as a Bank Run Catalyst

 

كتب: نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي- النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقد لجون ماينارد كينز- The Most Important Thing Illuminated لهوارد ماركس

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة