وقف آلاف المودعين البريطانيين في طوابير طويلة وممتدة أمام فروع بنك "نورذرن روك" عام 2007، وتجمهروا بشكل لافت أمام الموظفين لاسترداد أموالهم.
والغريب في الأمر أن البنك -في تلك اللحظة- لم يكن مفلسًا، ولم تكن أصوله قد تبخرت، بل كان يمتلك عقارات وقروضًا عقارية تغطي ودائعهم عدة مرات.
لكن "توقعًا" انتشر بين الناس بأن البنك على وشك الانهيار، دفع الجميع إلى الركض لسحب أموالهم في وقت واحد، ليتحول "التوقع" الكاذب إلى حقيقة واقعة، ويُجبر البنك المركزي البريطاني على التدخل لإنقاذه بعد أن تحول التوقع إلى أزمة سيولة حقيقية أدت إلى تأميمه.

التقلبات المفرطة
هذه الظاهرة، التي يطلق عليها علماء الاجتماع "التحقق الذاتي"، تجد بيئة خصبة للحدوث في أسواق الأسهم، حيث إن "سعر اليوم" للسهم ليس ثمنًا لما تنتجه الشركة الآن، بل هو ثمن لما"يتوقع" أن الشركة تنتجه في المستقبل البعيد.
وهذه التوقعات قد تصنع واقعًا سعريًا بعيدًا كل البعد عن القيمة الحقيقية للشركات، مما يوقع المستثمرين في فخ يشبه تضخم الأسعار (أو انخفاض التقدير في حالات معينة).
ويشير العالم الاقتصادي الحائز على نوبل "روبرت شيلر"، في أبحاثه عن "التقلبات المفرطة"، إلى أن ما يصل إلى 80% من تقلبات أسعار الأسهم على المدى القصير لا يمكن تفسيرها بتغيرات فعلية في الأرباح أو القوائم المالية، بل ترجع بالكامل إلى تغيرات في "توقعات المستثمرين ومشاعرهم".
ويصف "شيلر" السوق بأنها "مرآة ضخمة تعكس ما يدور في عقول من ينظرون إليها".
وتمثل فقاعة "الدوت كوم" في أواخر التسعينيات أقوى دليل تاريخي على كيف يمكن للتوقعات الجماعية أن تبني عالمًا خياليًا لا علاقة له بأي منطق مالي.
ففي عام 1999، لم يكن لدى شركة "بيتس دوت كوم" أي نموذج ربحي، وكانت تخسر أموالًا طائلة على كل طلبية طعام للكلاب أو القطط تبيعها عبر الإنترنت، ومع ذلك، قفز سهمها بعد الطرح العام بأكثر من 300% في أول أيام تداولها.
لم يكن المستثمرون يشترون قيمة دفترية أو أرباحًا -لم تكن موجودة أصلًا- بل كانوا يشترون "توقعًا" مفاجئًا بأن الإنترنت سيغير وجه التجارة، وأن أي شركة تحمل باسمها (.com) ستسود الاقتصاد مستقبلًا على العالم.
وبسبب تواتر هذه التوقعات، وصل متوسط مضاعف الربحية لمؤشر "ناسداك" المكون من شركات التكنولوجيا في مارس 2000 إلى مستوى غير مسبوق تاريخيًا تجاوز 200 ضعف؛ أي أن المستثمر كان مستعدًا لدفع 200 دولار نظير دولار واحد فقط من الأرباح الفعلية، بينما المتوسط التاريخي الطبيعي للمؤشرات لا يتجاوز 15 ضعفًا.

فالتوقعات غير الطبيعية صنعت أسعارًا غير منطقية، وعندما تعارضت هذه التوقعات مع واقع الأرباح الفعلية في عام 2001، انفجرت الفقاعة، لتتبدد أكثر من 5 تريليونات دولار من قيمة الأسهم الأمريكية.
توجيه التوقعات
ويبدو أن الشركات نفسها أدركت "قوة التوقعات"، وبدأت تستخدمها كسلاح لتوجيه السوق، فيما يُعرف بـ"إدارة التوقعات" (Earnings Guidance) ولذلك تكشف الإحصائيات أن نسبة تتراوح بين 70% و75% من شركات مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" تعتمد على توقعات المحللين في تقاريرها ربع السنوية.
وما يحدث في الواقع هو لعبة محاسبية ونفسية؛ تقوم إدارات الشركات بتسريب توقعات متشائمة (أو أقل من التقديرات الحقيقية) بشكل مدروس للمحللين خلال الربع، مما يجعل المحللين يخفضون "سقف التوقعات" إلى مستوى منخفض جدًا يمكن للشركة تخطيه في يوم إعلان النتائج.
وعندما تعلن الشركة أرباحًا تتفوق على هذا "السقف المنخفض" ولو ببضعة سنتات، يقوم السوق برفع سعر السهم بشكل كبير، متأثرًا بـ"تفوق الأداء على التوقعات"، دون مراعاة أن التفوق كان على توقع تم تجهيزه مسبقًا ليتم تخطيه.
كما أن المثير للانتباه أن السوق لا يعاقب الشركات على ضعف أدائها الفعلي بقدر ما يعاقبها على "خيبة التوقع".
وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة "إنفيديا" عن أرباح صافية قياسية بلغت حوالي 16.6 مليار دولار في ربع سنة واحد، في أغسطس 2024، بزيادة تجاوزت 150% مقارنة بالعام السابق.
ولكن في جلسة إعلان النتائج هبط سهمها بنسبة تجاوزت 6%، وخسرت أكثر من 100 مليار دولار من قيمتها السوقية في ساعات، لأن "توقعات" المستثمرين والمحللين كانت تنتظر رقمًا أعلى بقليل من الذي أعلنته الشركة.
فالسوق لم يهتم بحقيقة أن الشركة تجني مليارات وأرباحها تنمو بشكل كبير، بل اهتم فقط بأن "توقعه" لم يتحقق بالكامل، مما يثبت أن الأسعار أحيانًا تنقاد بـ"التوقع" أكثر من كونها تسير على أرض الواقع المالي.

أنواع المستثمرين
وفي دراسة أجرتها جامعة "ماساتشوستس" على بيانات أكثر من مليوني مستثمر فردي عبر منصات التداول الإلكتروني، وجدت أن هؤلاء المستثمرين يميلون بشدة إلى شراء الأسهم التي يتوقع غيرهم ارتفاعها، حتى لو كانت هذه التوقعات تتناقض تمامًا مع المؤشرات الأساسية للشركة.
وأظهرت الدراسة أن المستثمرين الذين يتبعون "توقعات القطيع" ويشترون بناءً على ما يتوقعه الآخرون، يخسرون في المتوسط ما يقارب 3.8% من محافظهم سنويًا مقارنة بمن يتبعون التحليل الأساسي الصارم ويتجاهلون ضجيج السوق.
ولفهم كيف تتشكل هذه الديناميكية وتؤثر على المحافظ الاستثمارية، يمكننا تقسيم تعامل المستثمرين مع التوقعات إلى أربعة أنماط، وهي مراحل يمر بها المستثمر حتى يدرك حقيقة السعر والتوقع:
|
النمط |
الوصف |
النسبة التقريبية في السوق |
|
الانبهار بالتوقع المطلق |
المستثمر هنا يأخذ التوقعات كحقائق مسلم بها، ويبني قراراته على أسعار مستقبلية يتحدث عنها المحللون أو منصات التواصل كأنها ستتحول إلى واقع حتمي لا شك فيه، ويشتري بناءً على "شائعة مستقبلية" مهما كان السعر الحالي مبالغاً فيه.
|
%65 |
|
الصدمة التوقعاتية |
المستثمر الذي يدرك أن التوقعات غالباً ما تُصنع وتُدار، ويبدأ في ملاحظة كيف تنخفض الأسهم القوية لمجرد عدم تحقيقها لتوقعات خيالية، فيصبح أكثر تحفظاً وتشككاً تجاه التقارير التحليلية والأخبار اليومية.
|
%20 |
|
المتداول الواقعي |
يكون المستثمر واعياً بشكل تام بأن السوق يتحرك بالتوقعات وليس بالأرقام الحالية، فيبحث عن الشركات التي يتم التقليل من توقعاتها بشكل مقصود لشرائها قبل صدور النتائج الفعلية، مستغلاً لعبة "إدارة التوقعات" لصالحه.
|
%10 |
|
صانع التوقعات |
مستثمر مؤسسي أو صندوق كبير يمتلك سيولة وقوة تحليلية تجعل توقعاته ذاتها هي المحرك الذي يحرك سعر السهم، فيصنع الواقع الذي يراه مناسباً لتحقيق أرباحه، وهو المستوى الذي لا يصل إليه إلا القلة.
|
%5 |
والشاهد أن كثيرين في سوق الأسهم يقعون في فخ الخلط بين "التحليل الاستباقي" و"خرافة التوقعات"، فالتحليل الاستباقي يقوم على دراسة اتجاهات صناعية حقيقية، مثل التحول إلى الذكاء الاصطناعي، ويقدر حجم الإيرادات المستقبلية بمعادلات رياضية محافظة وموثوقة مع حساب هامش الخطأ.
أما خرافة التوقعات فتقوم على "سماع" أن شركة ما "ستتضاعف خلال عام" بناءً على كلام غير مسؤول، فيندفع المتداول لشراء سهمها بأي سعر، متجاهلًا أنه يدفع ثمنًا ماديًا الآن لشيء لم يحدث بعد، وقد لا يحدث أبدًا.
ويقول "جون ماينارد كينز" إن السوق يمكن أن يبقى غير منطقي لفترة أطول من قدرة المستثمر على التحمل، حيث إن المستثمر الذي يراهن على أن "السوق سيعود إلى المنطق غدًا" قد يخسر جزءًا من رأس ماله اليوم بسبب توقع جماعي لا أساس له من الصحة، تمامًا كما حدث مع من راهنوا على انهيار فقاعة الدوت كوم قبل أوانها بسنوات.
ولا يوجد ملاذ آمن من تأثير التوقعات سوى الاعتماد على التطور التدريجي في القدرات التحليلية، بحيث يتعلم المستثمر أن يفصل بين سعر السهم المحدد بتوقعات السوق الحالية، والقيمة العادلة للشركة المحددة بتدفقاتها النقدية الحقيقية، ليكون بذلك قد بنى محفظته المالية على أرض صلبة من الأرقام، وليس على رمال توقعات متحركة قد تغرقه في أي لحظة.
المصادر: أرقام- دراسة (Irrational Exuberance)- ايكونوميست- ياهو فيانانس- ماكروتريندز
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}