كان "ديفيد ليفي" يخطط مع زوجته لشراء سيارة جديدة بعد سنوات طويلة من الاستثمار لدى "برنارد مادوف"، لكن صباح أحد أيام ديسمبر 2008 حمل إليه خبرًا غيّـر حياته بالكامل، إذ قرأ في الصحيفة أن الرجل الذي ائتمنه على مدخراته طوال ثلاثة عقود قد ألقي القبض عليه بتهمة إدارة أكبر عملية احتيال هرمي عرفها التاريخ.
في لحظة، تحولت أحلام السيارة إلى قلق من القدرة على شراء الطعام، لم تكن مأساة "ليفي" استثناءً، بل كانت قصة تكررت آلاف المرات، فمن ورثة المليارديرات إلى أصحاب المعاشات والمتقاعدين حول العالم، وجد الجميع أنفسهم أمام الحقيقة نفسها: الثروة التي ظنوا أنها تنمو بثبات لم تكن سوى وهم على كشوف حسابات مزورة.

بداية شرعية
في عام 1960، أسس "مادوف" شركته للاستشارات الاستثمارية "برنارد إل. مادوف سيكيوريتيز"، ثم توسعت الشركة لتصبح من أكبر صناع السوق في وول ستريت، كما لعب رجل الأعمال الأمريكي دورًا رائدًا في تطوير التداول الإلكتروني، وتولى لاحقًا رئاسة بورصة ناسداك على مدار 3 سنوات.
لكن صفقة خاسرة مبكرة، مموّلة من عملاء أحالهم إليه حماه، دفعته إلى إخفاء الخسارة بدلًا من الاعتراف بها، ومن هذا الخوف من الفشل، وُلدت أولى الأكاذيب التي تناسلت حتى تحوّلت إلى مخطط هرمي متكامل، بدأه "مادوف" ، بحسب روايته، إما عام 1987 أو 1992.
على مدى سنوات، نجح في ترسيخ صورته باعتباره المستثمر الذي يحقق أرباحًا مستقرة مهما كانت ظروف الأسواق، بل إن كثيرين كانوا يتوسلون لضخ أموالهم إلى صناديقه الاستثمارية، بينما كان يعتذر لهم مدعيًا أن الطاقة الاستيعابية اكتملت، قبل أن يسمح للبعض بالاستثمار لاحقًا، ليرسخ لدى المستثمرين شعورًا بأن الاستثمار معه امتياز لا يناله إلا المحظوظون.
وراء هذه الصورة اللامعة، كان "مادوف" يبني أكبر مخطط "بونزي" في التاريخ، مستغلًا ثقة المستثمرين أكثر من استغلاله الأسواق المالية.

الوهم المتقن
كانت الفكرة بسيطة، إذ استخدم "مادوف" إيداعات المستثمرين الجدد لسداد أرباح المستثمرين القدامى، بينما احتفظ بجزء كبير منها لتمويل نمط حياته الفاخر، ولإضفاء المصداقية، استندت كشوف الحسابات إلى استراتيجيات استثمار حقيقية، لكن الصفقات نفسها لم يكن لها وجود.
لم يعتمد نجاح المخطط على الأكاذيب وحدها، بل على نظام شديد الانضباط، فقد كان الوصول إلى الحسابات الوهمية محصورًا بعدد محدود للغاية من الموظفين، بينما كانت الحسابات الحقيقية منفصلة تمامًا.
وكانت كشوف العملاء تُراجع بعناية حتى لا تظهر اختلافات إذا قارن المستثمرون نتائجهم، كما فرضت الشركة حدًا أدنى للاستثمار بلغ مليون دولار، وهو شرط لم يضمن تدفق السيولة فقط، بل عزز أيضًا الشعور بأن امتلاك حساب لدى "مادوف" يعطي شعورًا زائفًا بالتميز.

خداع الرقابة
رغم أن بعض المحللين والصحف المالية شككوا منذ عام 2001 في قدرة "مادوف" على تحقيق عوائد مستقرة بهذه الصورة، فإن التحقيقات التنظيمية لم تصل إلى شيء.
كان "مادوف" يواجه المدققين بكم هائل من الوثائق المزورة، ويغرقهم في سيل من التفاصيل حتى يعجزوا عن اكتشاف التناقضات.
وفي إحدى عمليات التفتيش، نسي أحد المحققين حقيبته داخل الشركة، فوجد "مادوف" فيها قائمة بالأسئلة المقرر طرحها في اليوم التالي، فأمر موظفيه بالعمل طوال الليل لإعداد مستندات مزيفة تغطي كل نقطة. وخلال عامين فقط، اجتازت شركته خمس عمليات تدقيق متتالية.

لحظة السقوط
ظل المخطط مستمرًا طالما تتدفق أموال المستثمرين، لكن الأزمة المالية العالمية عام 2008 قلبت المعادلة، حينما أفلست شركات كبرى وتبخرت تريليونات الدولارات، بينما ظلت شركة "مادوف"، تحقق عائدًا شهريًا ثابتًا بنسبة 1%، هذا الثبات، الذي بدا يومًا دليلًا على العبقرية، تحول إلى أول خيط قاد إلى انهيار المخطط.
فمع انهيار الأسواق، بدأ المستثمرون في طلب استرداد أموالهم خوفًا من الأزمة، وخلال أسابيع تجاوزت طلبات السحب 12 مليار دولار، بينما لم تكن هناك أموال حقيقية تكفي لتلبية هذه الطلبات، وحسب قواعد مخطط بونزي، عندما تتجاوز السحوبات الإيداعات الجديدة، تنهار اللعبة فورًا.
حاول "مادوف" البحث عن مستثمرين جدد لإنقاذ المنظومة، لكنه فشل، وفي ديسمبر 2008 اعترف "مادوف" بأن نشاطه الاستثماري لم يكن سوى "كذبة كبيرة"، لتنتهي بذلك أكبر عملية احتيال مالي هرمي شهدها العالم.
ورغم ادعائه العمل منفردًا، أثبتت التحقيقات استحالة ذلك، وتم توجيه التهم إلى 14 شخصًا من شركائه، وصُدم العالم المالي بسجلات تظهر حسابات بقيمة 65 مليار دولار معظمها أموال وهمية.
وفي عام 2009، أُسدل الستار بحكم بالسجن لمدة 150 عامًا على "مادوف" (الذي توفي عام 2021 عن عمر ناهز 82 عامًا)، بينما بدأت وزارة العدل الأمريكية معركة شاقة لمصادرة أصول "مادوف" وشركائه، لتعويض الضحايا ولو بجزء يسير مما فقدوه.
وبالعودة إلى مأساة "ليفي" وآلاف الضحايا الذين استيقظوا على كابوس احتيال هرمي استمر سنوات طويلة دون أن يدركوا ذلك، ستظل قضية "مادوف" حاضرة في ذاكرة الاقتصاد العالمي، ليس فقط كأكبر مخطط "بونزي" في التاريخ، بل كجرس إنذار دائم بأن أكبر عمليات الاحتيال لا تُبنى على المال، بل على الثقة.
المصادر: أرقام – مكتب التحقيقات الفيدرالي – بارونز – إن بي سي - سي إن بي سي - بلومبرج
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}