فخ الذاكرة .. عندما تصنع ذكريات المستثمرين أزمات الأسواق

2026/08/03 أرقام - خاص

انطلق أحد السائقين بسيارته الرياضية الحديثة ليختبر قدراتها بعد أن انتظر سنوات حتى يتمكن من اقتنائها، وما إن بدأ يعتاد قيادتها ويزيد ضغطه على دواسة البنزين تذكر فجأة الحادث الذي وقع له قبل سنوات حينما صدمته سيارة من الخلف، وبالكاد نجا بحياته.
 

 

في تلك اللحظات، ظل يراقب المرايا باستمرار ليطمئن إلى أنه لن يتعرض لهذا الأمر مجدداً، لكن انشغاله بالمرايا جعله لا ينتبه إلى إشارة التحذير من أعمال الطرق، ليقع في حادث جديد نجا فيه بحياته للمرة الثانية، غير أن إصلاح سيارته سيكلفه الكثير كي تعود كما كانت.


ولعل ما حدث مع هذا السائق يتكرر كل يوم داخل الأسواق المالية؛ فحين تتحول الذكريات إلى عدسة ينظر المستثمرون من خلالها إلى المستقبل، تصبح الأزمات السابقة جزءًا من قراراتهم الحالية.
 

فمنذ فقاعة الإنترنت مطلع الألفية، مرورًا بالأزمة المالية العالمية عام 2008، وصولًا إلى جائحة كورونا، تركت الأزمات المالية ندوبًا نفسية لدى المستثمرين استمرت حتى بعد تعافي الأسواق، فشاشات الذاكرة أصبحت لا تقل أهمية عن شاشات البورصة عند المستثمرين.

 

فبعد انفجار فقاعة شركات الإنترنت مطلع الألفية، أحجم كثير من المستثمرين عن الاستثمار في أسهم التكنولوجيا لفترة طويلة، بينما ولّدت الأزمة المالية العالمية عام 2008 حالة من الحذر تجاه البنوك والاعتماد المفرط على الاقتراض.

 

وتشير دراسات التمويل السلوكي إلى أن المستثمرين لا يقيمون المخاطر من نقطة الصفر، بل يفسرون الأحداث الجديدة من خلال تجاربهم السابقة، فيما يعرف بالتحيز القائم على الخبرة أو تحيز الذاكرة.

 

عندما تؤجج الذاكرة الأزمات


لم تكن أزمة بنك سيليكون فالي في مارس 2023 مجرد اختبار لصلابة أحد أكبر البنوك المتخصصة في تمويل شركات التكنولوجيا، بل قدمت مثالًا واضحًا على كيف يمكن لذاكرة الأزمات السابقة أن تؤثر في سلوك المستثمرين والمودعين.

 

 

ففي يوم واحد فقط، حاول العملاء سحب نحو 42 مليار دولار من ودائعهم، وهو أحد أكبر وأسرع النزوح المصرفي في التاريخ الحديث.


ورغم اختلاف أوضاع البنك عن أزمة ليمان براذرز عام 2008، فإن ذكريات الانهيار المالي العالمي دفعت كثيرًا من المودعين إلى التصرف بسرعة خشية تكرار السيناريو نفسه، فيما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة في تسريع انتشار المخاوف.


وأثبت العالمان "دانيال كانيمان" و"عاموس تفرسكي" منذ عقود أن الخسائر تترك أثرًا نفسيًا يفوق أثر المكاسب المماثلة.


كما أظهرت أبحاث أحدث في التمويل السلوكي أن الذاكرة نفسها ليست محايدة؛ إذ يتذكر المستثمرون الأزمات بصورة انتقائية، فيركز بعضهم على الخسائر، بينما يتذكر آخرون فرص الربح التي أعقبتها.

 

وتوضح التجارب التاريخية هذا السلوك بجلاء، فبعد انهيار أسهم التكنولوجيا بين عامي 2000 و2002، ابتعد كثير من المستثمرين عن شركات الإنترنت رغم تحسن أساسياتها المالية، في حين اتجه رأس المال الجريء نحو الشركات ذات التدفقات النقدية السريعة.

 

الأمر نفسه تكرر في أزمة جائحة كورونا؛ إذ فقد مؤشر إس آند بي 500 نحو 34% من قيمته بين فبراير ومارس 2020، قبل أن يستعيد خسائره خلال أشهر قليلة بدعم غير مسبوق من السياسات النقدية والمالية.

 

وأكدت دراسة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن أن المستثمرين الأفراد أصبحوا أكثر حساسية لموجات اضطراب الأسواق بعد أزمة كورونا مقارنة بما كانوا عليه بعد الأزمة المالية العالمية.

 

التجارب الحديثة أكثر تأثيرًا


لم تعد ذاكرة المستثمر مجرد مفهوم في علم النفس، بل أصبحت عاملًا يمكن رصد أثره بوضوح في سلوك الأسواق.

 

 

فقد أظهرت أبحاث التمويل السلوكي أن المستثمرين يمنحون وزنًا أكبر للتجارب الحديثة عند اتخاذ قراراتهم، وهي الظاهرة المعروفة باسم تحيز الحداثة، لتصبح الأحداث الأكثر رسوخًا في الذاكرة والمرجع الأول لتقدير المخاطر المستقبلية.


وبرز هذا النمط بوضوح بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي محا خلالها انهيار الأسواق نحو 57% من قيمة مؤشر "إس آند بي 500" من ذروته، وتكبد القطاع المصرفي العالمي خسائر رأسمالية ضخمة.


ووفقًا لأبحاث المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية ودراسات الاقتصادية أولريكه مالمندير، أصبحت الأسر التي تعرضت لخسائر كبيرة خلال الأزمة أقل استعدادًا للاستثمار في الأسهم لسنوات لاحقة، مفضلة الاحتفاظ بالنقد أو الاستثمار في أدوات الدخل الثابت.


جاء هذا رغم تعافي الأسواق ودخولها واحدة من أطول موجات الصعود في تاريخها.


لكن أزمة كورونا قدمت مثالًا معاكسًا تمامًا، فبعد الانهيار الحاد في مارس 2020، قادت برامج التحفيز النقدي والمالي إلى واحدة من أسرع موجات التعافي في تاريخ الأسواق، واستعاد مؤشر إس آند بي 500 مستوياته السابقة للجائحة خلال أشهر، قبل أن يسجل قممًا تاريخية جديدة.


وأرجع المحللون ذلك إلى أن ملايين المستثمرين الجدد، خاصة من الشباب الذين دخلوا الأسواق عبر منصات التداول منخفضة التكلفة، ترسخت لديهم قناعة بأن كل هبوط مؤقت، وأن كل تصحيح يمثل فرصة للشراء.


وانعكس هذا الاعتقاد خلال تراجعات عام 2022، فعلى الرغم من تسجيل مؤشر إس آند بي 500 أسوأ أداء سنوي له منذ الأزمة المالية العالمية نتيجة الزيادات الحادة في أسعار الفائدة.


وواصل كثير من المستثمرين شراء أسهم التكنولوجيا، اعتقادًا بأن سيناريو التعافي السريع سيتكرر كما حدث في 2020، إلا أن الرهان لم يصب هذه المرة، بعدما أصبح التضخم وتشديد السياسة النقدية، وليس وفرة السيولة، المحرك الرئيس للأسواق.


عندما تتذكر الخوارزميات الأزمات


لم تعد ذاكرة الأسواق حكرًا على المستثمرين، بل انتقلت أيضًا إلى الخوارزميات التي تنفذ جانبًا كبيرًا من التداولات اليومية.
 


ففي السوق الأمريكية، تشير تقديرات إلى أن أكثر من 80% من أحجام التداول تمر عبر أنظمة آلية، تشمل التداول الخوارزمي، ونماذج قياس المخاطر مثل القيمة المعرضة للخطر، واستراتيجيات الاستثمار المنهجية، مثل مستشاري تداول السلع وصناديق تكافؤ المخاطر.


وتعتمد هذه الأنظمة على بيانات تاريخية لتقدير المخاطر واتخاذ قرارات البيع والشراء، ما يعني أن الأزمات السابقة تصبح جزءًا من آلية اتخاذ القرار نفسها.


وعندما ترتفع التقلبات أو تتجاوز الأسواق مستويات مخاطر محددة، لا تعيد الخوارزميات تقييم المشهد الاقتصادي من الصفر، بل تستجيب وفق الأنماط التي تعلمتها من التاريخ.


وبرز هذا السلوك بوضوح خلال اضطرابات الأسواق العالمية في أغسطس 2024، عندما أدى التفكيك السريع لصفقات الكاري تريد المرتبطة بالين الياباني إلى موجة بيع آلية واسعة، بعدما تجاوزت الأسواق حدود المخاطر المحددة في النماذج الكمية.


وفي تلك الجلسة، هبط مؤشر نيكاي 225 بنسبة 12.4%، مسجلًا أكبر خسارة يومية له منذ انهيار "الإثنين الأسود" عام 1987.


ويرى عدد من المحللين أن سرعة تنفيذ أوامر البيع الآلية أسهمت في تضخيم حركة السوق، بعدما تفاعلت الخوارزميات مع إشارات التقلب قبل أن تتاح للمستثمرين فرصة إعادة تقييم الصورة الكاملة.


ويشير ذلك إلى أن التكنولوجيا، رغم دورها في رفع كفاءة الأسواق، قد تجعل الذاكرة الجماعية أكثر تأثيرًا.

 

الأزمة المقبلة... قد لا تشبه أي أزمة سابقة

 

تكشف التجارب المالية أن أكبر أخطاء المستثمرين لا تتمثل في نسيان الأزمات السابقة، بل في الاعتقاد بأن الأزمة المقبلة ستسير وفق السيناريو نفسه.

 

 

فالأسواق ليست نظامًا ثابتًا، وإنما تتغير باستمرار مع كل أزمة، ومع كل تشريع جديد، وكل تطور في التكنولوجيا أو السياسة النقدية.

 

فبعد كل أزمة كبرى، تعيد المؤسسات المالية والمستثمرون بناء أدوات إدارة المخاطر لمعالجة مواطن الضعف التي كشفتها الأزمة السابقة.

 

لكن هذا لا يعني اختفاء المخاطر، بل انتقالها إلى مناطق جديدة أقل توقعًا. فبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، رفعت البنوك الكبرى مستويات رأس المال والسيولة بصورة كبيرة بفضل تطبيق معايير بازل 3.

 

كما ارتفعت نسبة رأس المال الأساسي من الفئة الأولى (CET1) لدى أكبر البنوك العالمية إلى مستويات تقارب 13% في السنوات الأخيرة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الأزمة، في محاولة لتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات.

 

ومع ذلك، جاءت اضطرابات عام 2023، وفي مقدمتها انهيار بنك سيليكون فالي، لتؤكد أن المخاطر باقية، لكنها انتقلت من جودة الأصول والرافعة المالية إلى مخاطر السيولة، وتركيز الودائع، وسرعة انتقال الذعر عبر المنصات الرقمية.

 

ولهذا، يرى عدد من خبراء الاستثمار أن أخطر ما يمكن أن يواجه الأسواق ليس غياب الذاكرة، بل هيمنة ذاكرة واحدة على طريقة التفكير.

 

فالتاريخ يقدم دروسًا مهمة، لكنه لا يكرر نفسه بالحرف، ومن يفترض أن الأزمة المقبلة ستكون نسخة من سابقتها قد يجد نفسه مستعدًا لمعركة انتهت، بينما تتشكل المخاطر الحقيقية في مكان آخر.

 

المصادر: أرقام- مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي- بنك التسويات الدولية- المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية- رابطة التمويل الأمريكية- إس آند بي داو جونز إنديكسز- مورجان ستانلي- صندوق النقد الدولي

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة