عندما بدأ مستخدمو التكنولوجيا وشعراء التقنية يلاحظون القفزات غير المبررة في أسعار أجهزة الحواسيب والجوالات مع بداية عام 2026، ظن الجميع أن الأمر مجرد اضطراب عابر في سلاسل التوريد نتيجة تداعيات الرسوم الجمركية.
لكن العودة إلى الجذور التاريخية للدورة الاقتصادية لسوق الموصلات تكشف عن تحول غير مسبوق في قواعد اللعبة؛ حيث تحولت رقائق الذاكرة من السلعة الرخيصة المتوفرة دائمًا إلى المورد الأكثر ندرة وحيوية في العالم.
وبدلاً من أن تؤدي المنافسة وتطوير خطوط الإنتاج إلى خفض التكاليف كما كان يحدث لعقود بموجب قانون "مور"، تسببت الشهية المفتوحة لشركات الذكاء الاصطناعي في امتصاص الطاقة الإنتاجية المصنعّة عالمياً، ما وضع الاقتصاد الرقمي بأكمله أمام مواجهة مباشرة مع أزمة في الرقائق.
وفي حين تُعزى الأزمة ظاهريًا إلى طفرة الذكاء الاصطناعي، تكشف البيانات عن ممارسات شراء متسارعة تتجاوز الاحتياجات التشغيلية للشركات الكبرى، ما يطرح تساؤلات حيوية حول مستقبل الأجهزة الذكية والاستثمار التكنولوجي.

لماذا ارتفعت أسعار رقائق الذاكرة بمستويات قياسية؟
تسببت عقود الشراء الضخمة من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي لعام 2026 وما بعده في تقليص المعروض، فارتفعت أسعار رقائق "ناند" -ذاكرة تخزين دائمة- بأكثر من 500% وأسعار رقائق "دي رام" -ذاكرة تشغيل مؤقتة- بأكثر من 600%.
زاد من الأزمة السياسات الجمركية الأمريكية على شركات مثل "سامسونج" و"إس كيه هاينكس".
هل تشتري "أوبن إيه آي" رقائق ذاكرة أكثر مما تحتاجه؟
تشير البيانات إلى أن الشركة تعاقدت على شراء 10.8 مليون رقاقة سنوياً.
تشير التقديرات إلى أن صفقات "أوبن إيه آي" للاستحواذ على 900 ألف رقاقة ذاكرة شهريًا تتجاوز بنسبة 70% احتياجات مشروعها "ستارجيت".
يرى محللون أن الاحتكار الاستباقي لرقائق الذاكرة يهدف لمنع انتشار الذكاء الاصطناعي على أجهزة المستهلكين وحماية هوامش أرباح الاشتراكات.
ما هي المعالجة المحلية (On-Device Inference) ولماذا تقلق الشركات؟
تتيح هذه التقنية تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي مباشرة على أجهزة المستخدمين، ويهدد هذا التحول نموذج عمل الشركات التي تعتمد على تقاضي رسوم مقابل الاستخدام عبر تقنيات المعالجة السحابية.
تؤدي خسارة الطلب على المعالجة السحابية لصالح الأجهزة الشخصية إلى تهديد نصف الإيرادات المستقبلية المتوقعة لمراكز البيانات.
لماذا يصعب تشغيل الذكاء الاصطناعي مباشرة على الجوالات والحواسيب؟
أدى ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة إلى تضخم تكلفة الجوالات الذكية بنسبة وصلت إلى 25% للطرازات الاقتصادية، ما أجبر المصنعين على خفض قدرة المعالجة في الأجهزة، ما يعوق تشغيل النماذج القوية.
امتدت آثار النقص الحاد إلى قطاع السيارات الذكية والكهربائية التي تعتمد على الذاكرة لتشغيل أنظمة القيادة الذاتية والمقصورة الرقمية، وسط تحذيرات من انخفاض أرباح شركات السيارات بنسبة 5% لضغوط التكلفة.
كيف انعكست هذه الأزمة على أجهزة الحاسوب الشخصي؟
أدى ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكلفة شراء الحواسيب الشخصية المجمعة بمبالغ تتراوح بين 800 و1500 دولار، وارتفعت أسعار أقراص التخزين الصلبة بنسبة تتجاوز 240%.
تراجعت أسهم شركات كبرى مثل "دل" و"لينوفو" بنسبة تتجاوز 25%، كما اتخذت شركة "مايكرون" قراراً بإنهاء علامتها التجارية الاستهلاكية "كروشيال" لتوجيه الطاقة الإنتاجية بالكامل نحو عملاء مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

ما هو أثر نقص الذاكرة على منصات وألعاب الفيديو؟
تأثر قطاع الألعاب الإلكترونية بشكل مباشر بقلة المعروض وارتفاع التكاليف؛ حيث صرحت شركة "سوني" بأنها تدرس تأجيل طرح جهاز "بلايستيشن" القادم إلى عام 2028 أو 2029.
تواجه شركة "نينتندو" ضغوطاً على هامش الربح لصعوبة توفير الأجزاء المكونة لأجهزتها، كما أُلغيت بعض بطاقات الرسومات ذات السعات الكبيرة من شركة "إيه إم دي" لعدم توفر الرقائق بأسعار معقولة.
كيف سينعكس هذا الوضع على سوق التخزين السحابي؟
من المتوقع أن ينمو سوق التخزين السحابي من 134.5 مليار دولار في عام 2024 إلى 1.1 تريليون دولار بحلول عام 2035، أي بزيادة تقارب عشرة أضعاف.
يتيح ذلك للعملاء تقاسم تكلفة الحوسبة والذاكرة، على حساب زيادة زمن الاستجابة والتسعير القائم على الاشتراك، ولكن مع ميزة إضافية تتمثل في استخدام أجهزة أخف وزنًا وأصغر حجمًا.
نهاية المطاف
تحول نقص الذاكرة الإلكترونية من مجرد خلل مؤقت في سلاسل التوريد إلى تغيّر هيكلي كامل في القطاع؛ حيث أدى استحواذ شركات الذكاء الاصطناعي على حصص إنتاج الرقائق إلى رفع التكاليف على مصنعي السيارات والجوالات والحواسيب، ما يعزز الاعتماد على الخدمات السحابية ويؤخر انتقال المعالجة الذكية إلى أجهزة المستخدمين اليومية.
فهل تنتهي الأزمة كما صرحت شركات تصنيع مثل "إس كيه هاينكس" عام 2028، في ظل حجز الطلبيات بالكامل حتى الربع الرابع من 2027؟
المصدر: كونتراري ريسيرش
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}