تحت أضواء غرف إدارة الأزمات، تبدأ الشركات في إعداد بيانات الاعتذار، وإطلاق حملات إعلامية واسعة، ورصد ميزانيات ضخمة لشراء المساحات الإعلانية، في محاولة لاحتواء الغضب واستعادة ثقة عملائها سريعًا، لكن هل تكفي هذه الخطوات لتجاوز المحنة؟
ففي أروقة الأسواق، لا تمر الأزمات بمجرد اتخاذ مثل تلك الخطوات، إذ إن ذاكرة العملاء والمستثمرين لا تصاب بألزهايمر وتحفظ الأحداث، لتكتشف الشركات أن مواجهة مثل تلك الأزمات تبدأ قبل وقوعها بفترة طويلة.
ويتوافق ذلك مع قاعدة الذروة والنهاية التي توصل إليها عالم النفس دانيال كانيمان والحائز على جائزة نوبل، والتي تشير إلى أن الناس لا يتذكرون التجارب بكل تفاصيلها، بل يحتفظون باللحظات الأكثر تأثيرًا وكيف انتهت التجربة.
فالحفاظ على السمعة أصبح أصلًا مهمًا، حيث بلغت القيمة السوقية لأفضل 100 علامة تجارية في العالم أكثر من 13.1 تريليون دولار أمريكي بحسب مؤسسة كانتار، وهي قيمة لا تحددها ميزانيات الإعلان وحدها، بل الرصيد الذي تحتفظ به الشركات في ذاكرة جمهورها.
وتؤكد دراسات مؤسسة "أوكسفورد ميتريكا" المتخصصة في تحليل المخاطر أن الأزمات التي تمس سمعة الشركات تلتهم في المتوسط ما يصل إلى 30% من القيمة السوقية للشركات ذات السمعة الهشة في السنة الأولى، بينما تتجاوزها الشركات ذات الرصيد القوي.
عندما يفقد الإعلان تأثيره
تمثل أزمة بوينج مع طائرات 737 ماكس واحدة من أبرز الأمثلة على محدودية تأثير الحملات الإعلامية عندما تتعرض الثقة للاهتزاز.
فبعد الحادثين اللذين أوديا بحياة 346 شخصًا وقع أحدهما في عام 2018 والآخر في 2019، أطلقت الشركة حملات اتصالية واسعة، وأجرت تغييرات في الإدارة، وأكدت التزامها بمعايير السلامة.
إلا أن تلك الجهود لم تمنع استمرار التداعيات المالية، لأن الأزمة ارتبطت بجوهر المنتج وليس بطريقة التواصل، وتجاوزت التكاليف المباشرة المرتبطة بوقف تشغيل الطائرة، والتعويضات، والغرامات، وإعادة التصميم 20 مليار دولار أمريكي بحسب الشركة.
في حين قدرت بعض التحليلات المالية الخسائر غير المباشرة الناتجة عن إلغاء أكثر من 1200 طلبية بما يزيد على 60 مليار دولار.
كما سجلت بوينج في عام 2019 أول خسارة سنوية لها منذ أكثر من عقدين، بلغت 636 مليون دولار، بالتزامن مع تراجع الإيرادات بصورة ملحوظة، وهو ما يوضح أن تكلفة فقدان الثقة تجاوزت بكثير تكلفة معالجة الخلل الفني نفسه.
ويفسر خبراء إدارة الأزمات هذا السلوك الجماهيري من خلال ما يعرف بـ نظرية الاتصال الاستجابي للأزمات، التي طورها الباحث "دبليو تيموثي كومبس".
فالنظرية تشير إلى أن الشركات التي تواجه أزمات تمس النزاهة أو السلامة لا تستطيع استعادة الثقة عبر الرسائل الإعلامية وحدها، لأن أصحاب المصلحة يقيمون الشركة وفق أفعالها لا وفق حملاتها الاتصالية.
مثال آخر قدمته سلسلة مطاعم شيبوتلي عام 2015 عندما واجهت أزمة تفشي بكتيريا إي كولاي وفيروس نوروفيروس، والتي أصابت أكثر من 60 شخصًا في 14 ولاية أمريكية.
ورغم إطلاق حملات تسويقية وعروض مجانية لجذب العملاء، فإن استعادة الثقة استغرقت وقتًا أطول، لأن تحديث أنظمة سلامة الغذاء وسلسلة الإمداد احتاج إلى سنوات حتى ينعكس على تجربة العملاء.
وتظهر النتائج المالية أثر ذلك بوضوح؛ إذ انخفضت أرباح الشركة بنسبة 44% خلال عام 2016، بينما ظل سعر سهمها أقل من مستواه القياسي المسجل في منتصف عام 2015، عندما تجاوز 750 دولارًا.
ولم يعد سهم الشركة إلى تلك المستويات إلا في أواخر عام 2019 حينما استكملت السلسلة الإصلاحات التشغيلية وتغيرت الإدارة التنفيذية.
عندما تتقدم الأفعال على الرسائل
وإذا كانت بوينج تمثل مثالًا على فشل الرسائل الإعلامية في تعويض أزمة تشغيلية، فإن جونسون آند جونسون تقدم الوجه الآخر للقصة.
وتظل أزمة تايلينول التابعة لشركة جونسون آند جونسون عام 1982 واحدة من أبرز النماذج العالمية في إدارة الأزمات، فقبل الأزمة كان المنتج يستحوذ على ما بين 35% و37% من سوق مسكنات الألم التي تصرف دون وصفة طبية في الولايات المتحدة.
وبعد وفاة سبعة أشخاص نتيجة عبث إجرامي بكبسولات الدواء وإضافة مادة السيانيد إليها، تراجعت الحصة السوقية للمنتج سريعًا إلى نحو 7%.
ورغم أن التحقيقات أثبتت أن التلاعب وقع خارج مصانع الشركة، اتخذت الإدارة قرارًا بسحب نحو 31 مليون عبوة من الأسواق الأمريكية، وهي عملية تجاوزت تكلفتها 100 مليون دولار أمريكي آنذاك، مع وقف الحملات الإعلانية مؤقتًا.
وقدمت الشركة بذلك معالجة تشغيلية قبل أي حملة إعلامية، وهو ما ساعدها على استعادة حصتها السوقية خلال أقل من عام، لتصبح الأزمة مرجعًا عالميًا في كيفية تحويل الشفافية والإجراءات العملية إلى أداة لاستعادة الثقة.
عندما تتحول الثقة إلى احتياطي استراتيجي
قد تتسبب أزمة واحدة في خسائر مالية بمليارات الدولارات، لكن الشركات التي تمتلك تاريخًا طويلًا من الجودة والثقة غالبًا ما تكون أكثر قدرة على التعافي.
ويصف خبراء السمعة هذا الرصيد بأنه "احتياطي الثقة"، وهو أصل غير ملموس يمنح الشركات فرصة لاستعادة ثقة العملاء إذا تعاملت مع الأزمة بشفافية وسرعة.
ويعد ما حدث مع سامسونج في عام 2016 مثالًا واضحًا على ذلك.
فبعد إطلاق هاتف جالاكسي نوت 7 في أغسطس من ذلك العام، اضطرت الشركة إلى سحب نحو 2.5 مليون جهاز من الأسواق بعد اكتشاف عيوب في البطارية أدت إلى ارتفاع حرارة بعض الأجهزة واحتراقها.
وأعلنت سامسونج إيقاف إنتاج الهاتف نهائيًا، بينما قدرت الشركة أثر الأزمة بنحو 5.3 مليار دولار أمريكي من أرباح التشغيل، في حين فقدت نحو 14.3 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال أيام قليلة.
واستعانت بأكثر من 700 مهندس وباحث لفحص نحو 200 ألف جهاز، قبل أن تنشر نتائج التحقيق الفني التي حددت الأسباب الجذرية للمشكلة والإجراءات التصحيحية التي اتخذتها.
ورغم حجم الأزمة، استعادت سامسونج موقعها كأكبر شركة لشحن الهواتف الذكية عالميًا خلال الربع الأول من عام 2017، بحصة سوقية بلغت 23.3% وفق بيانات شركات أبحاث السوق.
ولم يكن هذا التعافي نتيجة حملة إعلانية واسعة، بل جاء مدفوعًا بسجلها الذي عزز ثقة المستهلكين في العلامة التجارية؛ إضافة إلى اعتماد الشركة نهجًا يقوم على الشفافية الكاملة، وهو ما منحها فرصة ثانية لم تكن لتتاح لعلامة تجارية أقل رسوخًا.
عندما تتحول الذاكرة إلى قيمة سوقية
لم تعد السمعة مجرد مفهوم تسويقي يصعب قياسه، بل أصبحت أصلًا اقتصاديًا ينعكس مباشرة في قيمة العلامة التجارية.
ويظهر ذلك بوضوح في أحدث تقرير لمؤسسة كانتار حول تصنيف براند زد لأعلى العلامات التجارية قيمة عالميًا لعام 2026، والذي قدر القيمة الإجمالية لأكبر 100 علامة تجارية في العالم بنحو 13.1 تريليون دولار أمريكي، بزيادة 22% مقارنة بعام 2025.
ويرجع التقرير هذا النمو إلى قدرة العلامات التجارية الأقوى على بناء علاقات طويلة الأجل مع العملاء والحفاظ على ولائهم، حتى في ظل التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي والمنافسة المتسارعة.
ويعكس ترتيب العلامات التجارية العشر الأولى هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ تصدرت جوجل القائمة بقيمة علامة تجارية بلغت نحو 1.5 تريليون دولار، تلتها أبل بقيمة 1.4 تريليون دولار، ثم مايكروسوفت بقيمة 1.1 تريليون دولار.
ولا ينظر تقرير كانتار إلى قيمة العلامة التجارية باعتبارها نتيجة لحجم الإنفاق الإعلاني فقط، بل يربطها بثلاثة عناصر رئيسية هي التميّز، والارتباط باحتياجات المستهلك، والقدرة على بناء علاقة مستدامة معه.
وهكذا يعكس التقرير أن العلامات التجارية القادرة على الحفاظ على ثقة العملاء، تصبح أكثر قدرة على حماية قيمتها السوقية، واستعادة زخمها بعد الأزمات، مقارنة بالشركات التي تعتمد على الحملات الإعلانية وحدها.
وفي عالم أصبحت فيه الأخبار تنتشر خلال ثوانٍ، لم تعد الشركات تدخل أزماتها ببياناتها الصحفية، بل بتاريخها.
فكل تجربة إيجابية، وكل وعد أوفت به، وكل قرار اتخذته لحماية عملائها، يتحول إلى رصيد يُستدعى تلقائيًا عند أول اختبار حقيقي.
وربما لهذا السبب لا يكون الحل الحقيقي عند وقوع الأزمة: كم ستنفق الشركة على الإعلان؟ بل: ماذا لديها من رصيد في ذاكرة جمهورها قبل أن تبدأ الأزمة؟
المصادر: أرقام- هارفارد بيزنس ريفيو- مجلة تايم المالية- كاستمر كونتاكت ويك- مؤسسة كانتار- أوكسفورد ميتريكا
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}