هل يختفي صندوق الثروة النرويجي حقًا؟ ولماذا التحذير الآن؟

2026/08/11 أرقام - خاص

في أكتوبر 1929، لم يكن انهيار بورصة نيويورك يبدو في بدايته كأنه مقدمة لعقد كامل من الكساد رغم الهبوط المدوي، ففي يوم "الإثنين الأسود" الموافق 28 من الشهر ذاته، هبط مؤشر "داو جونز" نحو 13%، ثم تراجع قرابة 12% في اليوم التالي.

 

 

وبحلول منتصف نوفمبر كان المؤشر قد فقد نحو نصف قيمته، لكن الانهيار لم يكن القصة كلها؛ فما جعل الأزمة تاريخية كان انتقال الصدمة من أسعار الأصول إلى البنوك والائتمان والاقتصاد الحقيقي.

 

الآن وبعد قرابة قرن كامل، لا يقول "نيكولاي تانجن" الرئيس التنفيذي لإدارة صندوق الثروة السيادي النرويجي، إن انهيار 1929 يتكرر، لكنه يسمع أصداء تلك الفترة بسبب حرب التعريفات الجمركية وبعض ملامح البيئة الحالية.

 

والأهم أنه طرح سؤالًا يبدو مبالغًا فيه حتى يصدر عن الرجل المسؤول عن أكبر صندوق سيادي في العالم: هل يمكن أن يختفي صندوق النفط النرويجي؟ وكانت إجابته الصادمة: نعم.

 

ماذا يعني هذا التحذير؟

- السؤال الأكثر أهمية ليس هل يمكن أن يختفي هذا الصندوق الضخم؟ إنما هو ما الذي قد يحدث للنظام المالي العالمي حتى تتحول عبارة "يمكن أن نخسر كل شيء" من مجرد خاطرة ذهنية إلى واقع؟

 

- الإجابة تقود إلى نقطة مختلفة عن الخوف التقليدي من انهيار سهم أو سوق واحدة، فالصندوق النرويجي ليس رهانًا على شركة واحدة، لكنه رهان ضخم على استمرار قيمة مجموعة واسعة من الأصول العالمية.

 

- كما أن الصندوق أصبح كبيرًا لدرجة أن السوق العالمية أصبحت جزءًا من المالية العامة النرويجية، حيث يستثمر عائدات النفط والغاز النرويجية.

 

 

- في نهاية 2025 بلغت قيمة أصوله 21.27 تريليون كرونة نرويجية (2.24 تريليون دولار)، وكان أغلبها يتركز في الأسهم ثم أدوات الدخل الثابت.

 

- في الربع الأول من 2026 انخفضت قيمة أصوله إلى 19.998 تريليون كرونة (2.10 تريليون دولار)، مع عائد استثماري سالب قدره 1.9%.

 

أهم مؤشرات أداء محفظة الصندوق النرويجي

المؤشر

الفترة

القيمة

قيمة الأصول

نهاية ديسمبر

21.27 تريليون كرونة

قيمة الأصول

نهاية الربع الأول من هذا العام

19.99 تريليون كرونة

الأسهم

نهاية ديسمبر

71.3% من إجمالي المحفظة

الأسهم

نهاية الربع الأول من هذا العام

70.2 % من إجمالي المحفظة

الدخل الثابت

نهاية ديسمبر

26.5% من إجمالي المحفظة

الدخل الثابت

نهاية الربع الأول من هذا العام

27.5 % من إجمالي المحفظة

العائد السنوي

2025

%15.1

العائد الفصلي

الربع الأول من 2026

%-1.9

المساهمة في تمويل الموازنة

2026

نحو 27%

 

- هنا تكمن أهمية التحذير، فالحكومة النرويجية تتوقع أن يمول الصندوق أكثر من ربع الموازنة المركزية في 2026، بينما تنص القاعدة المالية على ربط الإنفاق من الصندوق بالعائد الحقيقي المتوقع، المقدر حاليًا بنحو 3%.

 

كيف يمكن أن يصبح السيناريو حقيقة؟

- لا يحتاج الأمر إلى أن تفلس آلاف الشركات في يوم واحد، فالسيناريو الأخطر هو انهيار متزامن في أسعار أصول متعددة.

 

- الأسهم تمثل أكثر من 70% من الصندوق، وبالتالي إذا انهارت أسواق الأسهم، يتلقى الصندوق الضربة الأولى، وإذا حدث الانهيار في الوقت نفسه مع ارتفاع حاد في عوائد السندات، فإن محفظة الدخل الثابت ستتعرض لضغط أيضًا.

 

- أما إذا ترافق ذلك مع أزمة ائتمان، فقد تنخفض قيمة الأصول غير المدرجة ويصبح تسعيرها أكثر تحفظًا.

 

- في الربع الأول من 2026، كان انخفاض الأسهم، خصوصًا شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، هو العامل الرئيسي وراء النتيجة السلبية للصندوق.

 

 

- الأخطر هو ما يسميه صندوق النقد الدولي قنوات التضخيم، ففي تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في أبريل 2026، حذّر من ارتفاع تقييمات بعض الأصول، وتركيز سوق الأسهم في عدد محدود من الشركات.

 

- كما حذر أيضًا من الرافعة المالية لدى المؤسسات المالية غير المصرفية، وبالتالي فإن اندلاع عمليات بيع هلعي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تضخيم الصدمة.

 

- هنا يصبح تحذير "تانجن" أكثر دقة، فالخطر ليس أن يخسر الصندوق لأن استثماراته سيئة، بل أن تكون الأصول التي يملكها جميعًا مرتبطة بالدورة العالمية نفسها.

 

- حتى التنويع لا يلغي الخطر النظامي، فعندما ترتفع علاوة المخاطرة في كل مكان، قد تهبط الأسهم والسندات والعقارات في وقت واحد، وقد تتحول السيولة نفسها إلى أصل نادر.

 

- لكن عبارة "اختفاء الصندوق" تحتاج إلى تدقيق، ولكي يعني ذلك حرفيًا خسارة كل الأصول، يجب أن تحدث صدمة استثنائية تكاد تمحو القيمة السوقية عبر محفظة عالمية متنوعة.

 

- لكن يظل ذلك بعيدًا عن السيناريو الأساسي، ولا يوجد في تصريح "تانجن" ما يشير إلى أنه يتوقعه قريبًا.

 

لماذا الآن تحديدًا؟

- لأن المفارقة الحالية هي أن الأسواق لا تتصرف كأنها على حافة كارثة.

 

- في الرابع من أغسطس، سجل مؤشر "إس آند بي 500" إغلاقًا قياسيًا جديدًا، مدعومًا بأرباح الشركات والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد تحذير صندوق النقد من استمرار مخاطر التقييمات المرتفعة والتركيز السوقي.

 

- هذا يعني أن المشكلة الحقيقية هي الفجوة بين قوة الأسعار الحالية وحجم المخاطر الكامنة خلفها، و"تانجن" نفسه يعترف بهذه المفارقة.

 

 

- يرى رئيس الصندوق النرويجي أن الاقتصاد الحالي أكثر قدرة على تحمل الصدمات من اقتصاد الماضي، بسبب مرونة سلاسل الإمداد وأنظمة الشركات الاحتياطية.

 

- لذلك فإن مقارنته للبيئة الحالية بعام 1929 ليست تنبؤًا بتكرار التاريخ، وإنما تحذير من افتراض أن مرونة الاقتصاد تعني استحالة انهيار الأسواق.

 

الصفر الذي قد يغيّـر كل شيء

- هناك فرق هائل بين خسارة (على سبيل المثال) 10% وخسارة "كل شيء"، إذ تعني الأولى فقدان نحو 2.13 تريليون كرونة من أصول الصندوق، أما الثانية فتعني انهيارًا يقارب 100% وصولًا إلى الصفر.

 

- لهذا فإن القراءة الصحيحة للتحذير ليست أن النرويج على وشك الإفلاس، بل إن الاعتماد المتزايد على عوائد الأسواق يجعل النرويج نفسها أكثر ارتباطًا بالدورة المالية العالمية.

 

- الحكومة النرويجية تقر بذلك صراحة عندما تقول إن الصندوق يمنحها مساحة مالية كبيرة، لكنه يزيد أيضًا تعرض المالية العامة لتطورات الأسواق الدولية.

 

- إذا تحقق السيناريو المتطرف الذي حذر منه "تانجن"، ستواجه النرويج ثلاث صدمات معًا: فقدان أصل مالي ضخم، تقلص قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق، وصدمة اقتصادية عالمية تضغط في الوقت نفسه على التجارة والاستثمار والنمو.

 

- ستضطر الدولة إلى الاختيار بين خفض الإنفاق، وزيادة الضرائب، وزيادة الاقتراض، أو قبول عجز أكبر.

 

- أما على المستوى العالمي، فسيكون اختفاء صندوق بهذا الحجم أحد أعراض الكارثة وليس سببها الوحيد، فالسبب الذي يمحو قيمة محفظة عالمية بهذا الحجم سيكون على الأرجح انهيارًا ماليًا واسعًا، أو بيعًا مكثفًا للأصول، أو انخفاضًا حادًّا للاستهلاك والاستثمار وتشدد الائتمان.

 

 

هل هذا السيناريو وارد؟

- الاقتصاد العالمي نفسه هو الرقم الناشز في القصة، إذ لا يرى "تانجن" انهيارًا جاريًا، بل يقول إن الأسواق واصلت الصعود رغم الأخبار السيئة، وإن الشركات أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع صدمات التجارة وسلاسل الإمداد.

 

- هذا مهم، لأن التشابه مع 1929 يضعف إذا بقيت الأرباح قوية، ونظام الائتمان يعمل كالمعتاد، والسيولة متاحة، ولم تتحول صدمات التجارة إلى أزمة مالية.

 

- يمكن اختبار التحذير "مبدئيًا" عبر بيانات التضخم في أمريكا التي تصدر غدًا الأربعاء، إلى جانب نتائج أعمال الصندوق خلال النصف الأول والتي تصدر في نفس اليوم أيضًا، ثم سيكون أداء أسواق الأسهم والسندات والائتمان في الربع الثالث مؤشرًا قويًا.

 

- في 1929، كانت المشكلة أن السوق لم يحتج إلى إعلان مسبق كي ينهار، وفي 2026، يطلب "تانجن" شيئًا مختلفًا: أن تستعد الدولة ذهنيًا لاحتمال أن تفشل الفرضية التي بنت عليها جزءًا كبيرًا من رفاهها.

 

- لكن الفارق الحاسم أن النرويج لا تملك "سهمًا واحدًا" قد ينهار، إنها تملك شريحة من الاقتصاد العالمي كله، ولهذا، فإن السؤال الأكثر إثارة للقلق ليس ما إذا كان صندوق النفط يمكن أن يختفي.

 

- بل: ما الذي يجب أن يحدث للعالم حتى تختفي معه قيمة ما يقارب كل شيء يملكه الصندوق؟

 

المصادر: أرقام- رويترز- صندوق النقد الدولي- موقع تاريخ الاحتياطي الفيدرالي- إفصاحات صندوق الثروة النرويجي- بيانات الحكومة النرويجية- أويل برايس

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة