في التاسع من أبريل 2017، صعد الطبيب "ديفيد داو" على متن رحلة تابعة لـشركة "يونايتد إيرلاينز" متجهة من شيكاغو إلى لويفيل، معتقدًا أن رحلته ستنتهي كأي رحلة أخرى: الوصول إلى وجهته في الموعد المحدد.
لكن بعد اكتمال صعود الركاب، احتاجت الشركة إلى أربعة مقاعد لأفراد طاقم كان يتعين عليهم الوصول إلى لويفيل للعمل في رحلة صباح اليوم التالي، حينها طلبت "يونايتد" متطوعين لمغادرة الطائرة مقابل تعويض مالي يصل إلى 1000 دولار، لكن لم يتقدم عدد كافٍ منهم، عندها تحولت المشكلة التشغيلية إلى أزمة.

من الاختيار إلى الإجبار
اختارت الشركة أربعة ركاب لإنزالهم من الطائرة، وكان "داو" وزوجته من بينهم، رفض الطبيب مغادرة مقعده، مؤكدًا أنه دفع ثمن رحلته ويريد الوصول إلى وجهته.
استُدعيت قوات أمن المطار، وانتهى الأمر بسحب "داو" بالقوة من مقعده وجره في ممر الطائرة، وبعد ذلك، أظهر مقطع فيديو مدته نحو 50 ثانية المشهد للعالم: راكب يُسحب بالقوة من طائرة مكتظة، بينما يصرخ ويرفض مغادرة مقعده.
خلال ساعات، انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وتحولت الواقعة من مشكلة على متن طائرة إلى أزمة علاقات عامة عالمية.
بالطبع، كان بإمكان "يونايتد" أن تعتذر سريعًا لاحتواء الأزمة، وتشرح ما حدث، وتتعهد بالتحقيق في الواقعة، لكنها ارتكبت خطأً آخر كان أكثر كلفة.

أزمة سمعة
في الساعات الأولى، دافعت الشركة عن تصرف موظفيها، قائلة إن الراكب رفض مرارًا الامتثال لتعليمات الطاقم، وإن استدعاء الأمن جاء بعد فشل محاولات إقناعه بالمغادرة.
كان بإمكان "أوسكار مونوز"، الرئيس التنفيذي حينها، إنهاء الموضوع بكلمات صادقة تعبر عن الندم واتخاذ تدابير واضحة لتدارك ما حدث، لكنه اختار، بدلًا من ذلك، الدفاع عن موظفيه على حساب الضحية.
في تصريحه الأول، وصف "داو" بأنه "مثير شغب وعدواني"، وفي رسالة بريد إلكتروني إلى الموظفين، أعلن وقوفه إلى جانبهم "بكل تأكيد"، وهنا تغيرت طبيعة القصة.
فالمشكلة لم تقتصر على رحلة جوية احتاجت فيها الشركة إلى مقاعد إضافية، بل أصبحت مرتبطة بالطريقة التي تعاملت بها مع الموقف، ثم برد فعل قيادتها عندما انفجرت الأزمة، وبمدى تقدير الشركة لعملائها.
لذلك تصاعد الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، وطالب مشرعون بالتحقيق، وهدد عملاء بمقاطعة الشركة، بينما تعرض سهم "يونايتد" لضغوط، وانخفضت قيمتها السوقية.

الاعتذار بعد فوات الأوان
أدرك "مونوز" لاحقًا حجم الكارثة، وغير لهجته بالكامل، فقد اعتذر، وأقر خلال جلسة استماع بالكونغرس بأن إخراج "داو" بالقوة كان "خطأً فادحًا"، مؤكدًا أن الشركة تتحمل المسؤولية.
كما وصف ما تعرض له "داو" بأنه معاملة لا تليق بأي عميل، وتوصلت "يونايتد" لاحقًا إلى تسوية معه، بينما أعلنت الشركة تغييرات في سياساتها، من بينها رفع الحد الأقصى للتعويضات المقدمة للركاب الذين يتنازلون عن مقاعدهم إلى 10 آلاف دولار، إلى جانب تحسين تدريب الموظفين.

لكن الاعتذار جاء بعد أن أصبح الفيديو رمزًا للأزمة، وبعد أن ترسخت رواية سلبية عن الشركة في أذهان الجمهور.
وهكذا تحولت دقائق معدودة على متن الرحلة 3411 إلى درس في إدارة الأزمات، فقد يرتكب الموظف خطأ ما، لكن رد فعل الإدارة تستطيع أن تحدد ما إذا كان الخطأ سيظل محدودًا داخل الشركة، أم سيتحول إلى أزمة تهدد سمعتها.
المصادر: أرقام – لوس أنجلوس تايمز – وول ستريت جورنال – الجارديان.
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}