تسونامي فضي يضرب العقارات .. الشيخوخة تعيد رسم خريطة الأسواق

2026/08/24 أرقام - خاص

بنظرة وداع أخيرة، غادر أحد المزارعين البالغ من العمر 79 عامًا منزله الذي عاش فيه على مدار عقود، مستعيدًا بحنين اللحظات الدافئة التي عاشها بين جدران هذا البيت، قبل أن يخلو تدريجيًا، بعد رحيل الأبناء الواحد تلو الآخر، ثم وفاة شريكة حياته لاحقًا.

 

 

ومع تقدمه في العمر، لم يعد قادراً على صيانة المنزل الكبير أو تحمل تكاليفه، فقرر الانتقال إلى مسكن أصغر يناسب احتياجاته.

 

وهكذا تحولت أحياء بأكملها داخل الضواحي الهادئة للريف الياباني إلى مناطق أشباح، مع وجود نحو 9 ملايين منزل مهجور تمامًا، وهو رقم صادم يجسّد "تسونامي فضي" يعيد رسم ملامح أسواق العقارات حول العالم.

 

فعلى مدى عقود، ارتبطت أسواق العقارات بمعادلة بسيطة مفادها أن الأراضي محدودة، وعدد السكان يتزايد، وبالتالي ترتفع أسعار المنازل بمرور الوقت، لكن هذا الافتراض بات يواجه تحديًا مع تزايد أصحاب الشعر الفضي.

 

ولم يعد السؤال ما إذا كانت الشيخوخة تؤثر في أسعار المنازل، بل إلى أي مدى يمكن أن تعيد تشكيل أسواق الإسكان في المستقبل.

 

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن شخصًا واحدًا من كل ستة أشخاص في العالم سيكون عمره 65 عامًا أو أكثر بحلول عام 2050، مقارنة بشخص واحد من كل عشرة في عام 2021.

 

يأتي هذا في وقت تستمر فيه معدلات الخصوبة في الانخفاض في معظم الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يعيد رسم خريطة الطلب على المساكن لعقود مقبلة.

 

اليابان أبرز ضحايا التسونامي الفضي

 

تُعد اليابان المثال الأوضح على تأثير الشيخوخة السكانية في سوق الإسكان. فمنذ عام 2008 بدأ عدد سكان اليابان في الانخفاض، ويشكل من تجاوزوا 65 عامًا اليوم نحو 30% من إجمالي السكان، وفقًا للبيانات الرسمية.

 

ومع استمرار انخفاض المواليد وانتقال الشباب إلى المدن الكبرى، تتراجع الكثافة السكانية في آلاف البلدات والقرى الريفية عامًا بعد آخر.

 

 

وقد انعكس ذلك بوضوح على سوق العقارات؛ إذ أظهرت بيانات وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات اليابانية في عام 2024 أن هناك نحو 9 ملايين منزل شاغر، تمثل نحو 13.8% من إجمالي المساكن، وهو مستوى قياسي لم يسجل من قبل.

 

وفي كثير من المناطق الريفية، باتت المنازل تعرض بأسعار رمزية، وأحيانًا تمنح مجانًا مقابل التزام المشتري بترميمها والإقامة فيها، لكن التجربة اليابانية تكشف أيضًا أن الشيخوخة لا تؤثر في جميع الأسواق بالطريقة نفسها.

 

ففي حين تراجعت أسعار العقارات في العديد من المناطق الريفية، حافظت المناطق المركزية في طوكيو على متانتها بفضل تركز الوظائف، ومحدودية الأراضي، والاستثمارات الأجنبية، والهجرة الداخلية المستمرة نحو العاصمة.

 

معادلة النمو السكاني تقلب موازين سوق العقارات

 

أصبحت التحولات الديموغرافية أحد أهم المتغيرات التي تراقبها أسواق العقارات حول العالم، ولم يعد الأمر يقتصر على بلد بعينه.

 

ووفقًا لتوقعات الأمم المتحدة، سيصل عدد سكان العالم إلى ذروة تقارب 10.3 مليار نسمة خلال منتصف ثمانينيات القرن الحالي قبل أن يتراجع تدريجيًا ليصل إلى نحو 10.2 مليار نسمة بحلول عام 2100.

 

وفي المقابل، تتسارع وتيرة الشيخوخة السكانية؛ إذ يُتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا إلى قرابة 1.6 مليار نسمة بحلول 2050 مقابل نحو 857 مليون نسمة في 2021.

 

كما سيرتفع متوسط العمر المتوقع عالميًا إلى 77.4 عام بحلول منتصف القرن مقابل 73.3 عام في 2024، مدفوعًا بتحسن الرعاية الصحية وانخفاض معدلات الوفيات.

 

وفي الوقت نفسه، تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60 دولة وإقليمًا دخلت بالفعل مرحلة الانكماش السكاني نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط الأعمار.

 

 

في حين تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية استمرار ارتفاع معدل إعالة كبار السن، مع تراجع نسبة السكان في سن العمل مقارنة بعدد المتقاعدين، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على أسواق الإسكان.

 

وتنعكس هذه التحولات مباشرة على سوق الإسكان؛ إذ تتركز غالبية عمليات شراء المنازل الأولى بين سن 30 و45 عامًا، بينما ينتقل كبار السن بين المساكن بوتيرة أقل ويحتفظون بمنازلهم لفترات أطول.

 

الرابحون والخاسرون في عصر الشيخوخة

 

بدأت ملامح التسونامي الفضي تظهر في عدد من الاقتصادات الكبرى، ولكن بدرجات متفاوتة. ففي الصين، دخلت البلاد مرحلة الانكماش السكاني منذ عام 2022، وسجلت أول انخفاض في عدد السكان منذ أكثر من ستة عقود.

 

وجاء هذا التزامن مع تراجع معدلات المواليد واستمرار الضغوط على قطاع العقارات، الذي كان يمثل نحو ربع نشاط الاقتصاد عند احتساب الصناعات المرتبطة به.

 

وواصلت أسعار المنازل الجديدة في الصين انخفاضها خلال عامي 2024 و2025 رغم حزم الدعم الحكومية، في ظل تباطؤ تكوين الأسر الجديدة إلى جانب الأزمة المالية التي واجهها كبار المطورين العقاريين.

 

أما كوريا الجنوبية، فقد سجلت أحد أدنى معدلات الخصوبة في العالم، حيث بلغ 0.75 مولود لكل امرأة في عام 2024، وفق هيئة الإحصاء الكورية.

 

وبينما لا تزال أسعار الشقق في العاصمة سول مدعومة بندرة الأراضي وقوة سوق العمل، تواجه العديد من المدن الإقليمية طلبًا أضعف نتيجة انخفاض عدد السكان.

 

وفي إيطاليا، يشكل من تجاوزوا 65 عامًا نحو ربع السكان، بحسب يوروستات، بينما تواصل العديد من البلديات الجنوبية فقدان سكانها بفعل انخفاض المواليد والهجرة الداخلية والخارجية.

 

ودفع هذا الأمر بعض السلطات المحلية إلى طرح منازل مهجورة للبيع مقابل يورو واحد فقط بهدف جذب سكان جدد وإحياء المجتمعات المتراجعة.

 

 

وتؤكد هذه التجارب أن الشيخوخة السكانية لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض أسعار المنازل على المستوى المحلي، لكنها قد توسع أيضًا الفجوة بين المدن القادرة على جذب السكان والوظائف، والمناطق التي يتراجع فيها الطلب تدريجيًا.

 

تأثير الشيخوخة يمتد لطبيعة السكن

 

لا يقتصر تأثير الشيخوخة على عدد المشترين، بل يمتد أيضًا إلى نوعية المساكن المطلوبة.

 

فبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يزداد الطلب مع تقدم السكان في العمر على المساكن الأصغر حجمًا، والأسهل في الحركة، والقريبة من الخدمات الصحية ووسائل النقل، بينما يتراجع الإقبال على المنازل العائلية الكبيرة في الضواحي.

 

وقد بدأت شركات التطوير العقاري في دول مثل اليابان وألمانيا وهولندا في تصميم مشاريع تراعي احتياجات كبار السن، من خلال توفير مبانٍ خالية من العوائق الهندسية، ومصاعد، وكفاءة أعلى في استهلاك الطاقة، وخدمات صحية مرافقة.

 

وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تحسين كفاءة استخدام المساكن، وتشجيع الانتقال إلى مساكن أصغر، وتوسيع خيارات الإسكان المخصص للمتقاعدين، قد يساعد في تخفيف هذه الاختلالات دون الحاجة إلى توسعات كبيرة في البناء.

 

ولعقود طويلة، ظل الاعتقاد السائد أن أزمات العقار وحلوله تبدأ وتنتهي عند السياسات النقدية ومعدلات الفائدة، غير أن التغير الديموغرافي المتسارع أثبت أنه قوة صامتة ذات تأثير قوي على المدى الطويل.

 

واليوم، يكشف التسونامي الفضي عن واقع جديد، إذ بدأت بعض الأسواق تنتقل تدريجيًا من تحدي ندرة المعروض السكني إلى تحدي تباطؤ نمو المشترين، حيث لن يكون التحدي الأكبر هو بناء المزيد من الوحدات، بل الحفاظ على القيمة الاقتصادية للمباني القائمة.

 

وعندئذ، ستتحول المنافسة بين المدن من سباق تطوير عمراني، إلى معركة استراتيجية لجذب السكان والأنشطة الاقتصادية الحيوية التي تمنح الجدران قيمتها الاستثمارية.

 

المصادر: أرقام- الأمم المتحدة- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- بنك التسويات الدولية- صندوق النقد الدولي- البنك المركزي الأوروبي- بنك اليابان- هيئة الإحصاء الكورية- المكتب الوطني للإحصاء في الصين- يوروستات- مكتب الإحصاء الأمريكي- وكالة رويترز

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة