لم يكن المشهد يوحي بأن شيئًا يمكن أن يسير على نحو خاطئ، مئات المتسوقين تدافعوا إلى متجر "ماركس أند سبنسر" الجديد في الصين، حتى اضطرت الشركة إلى إغلاق أبوابه مؤقتًا بسبب الزحام.
امتد المتجر على ثلاثة طوابق، وامتلأت أرففه بالملابس والأطعمة البريطانية، بينما بدا أن العلامة العريقة وجدت أخيرًا طريقها إلى واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
لكن من كان يظن أن هذا الزحام سيتحول، بعد ثمانية أعوام فقط، إلى صمتٍ داخل عشرة متاجر، وقرار مفاجئ بإنهاء أعمال الشركة في السوق الصينية؟

سوق بدت مثالية
عندما دخلت "ماركس أند سبنسر" السوق الصينية عام 2008، بدا القرار منطقيًا، طبقة متوسطة آخذة في النمو، ومستهلكون يبحثون عن الجودة والعلامات الموثوقة، وسوق تجزئة ضخمة تبدو كأنها فرصة لا تتكرر.
لذلك راهنت الشركة على ما تعرفه جيدًا، الملابس ذات الجودة، والأطعمة المستوردة والهوية البريطانية التي بنت عليها سمعتها لعقود، وافتتحت أول متجر في شنغهاي، ثم توسعت إلى بكين ومدن أخرى، حتى بلغ عدد متاجرها عشرة فروع.
واستهدفت المستهلكين الصينيين الذين تزيد أعمارهم على 30 عامًا، كما راهنت على شريحة الطبقة المتوسطة التي تبحث عن الجودة بأسعار أقل من العلامات الفاخرة.
لكن المشكلة لم تكن في حجم السوق، كانت في أن الشركة دخلت إليه وهي تفترض أن ما نجح في بريطانيا يمكن أن ينجح بالطريقة نفسها في الصين.
عدم الدراية بتفضيلات المستهلك
في متاجر "ماركس أند سبنسر" بالمدن الصينية، كانت الملابس تحمل المقاسات البريطانية أو الأوروبية، ما جعل المستهلكين الصينيين يواجهون صعوبة في العثور على المقاسات الأصغر التي تناسبهم.
ولم تتوقف المشكلة عند المقاسات، فالتصميمات بدت لكثير من المتسوقين أقرب إلى أزياء الطبقة المتوسطة البريطانية وربات البيوت، في وقت كانت فيه شريحة كبيرة من المستهلكين الشباب تبحث عن الموضة السريعة والعصرية التي تقدمها علامات مثل "زارا" و"إتش آند إم" و"يونيكلو".
هنا ظهرت معضلة واضحة: لم تكن أسعار منتجات الشركة أو تصميماتها تمنحها جاذبية الأزياء السريعة، وفي الوقت نفسه لم تكن تقدم الصورة الفاخرة التي يبحث عنها المستهلك الراغب في اقتناء علامة تمنحه مكانة اجتماعية.

سلسلة تحديات
أقر "ستيوارت روز"، الرئيس التنفيذي السابق للشركة بارتكاب أخطاء عند دخول السوق الصينية تركزت في إدارة المتاجر، وخلال زيارته لمتجر الشركة الرئيسي في شنغهاي، صرح بأن "ماركس أند سبنسر" لن تتسرع في "غزو الصين" قبل التغلب على أساسيات إدارة المتاجر.
وفي الوقت نفسه، واجهت الشركة مشكلات في الإمدادات وسلاسل التوريد، بينما ارتفعت تكاليف الإيجارات، وضغطت المنافسة على هوامش الربح.
إلى جانب ذلك، برزت مشكلة رئيسية أخرى، وهي ضعف الوعي بالعلامة التجارية، فحتى الجودة التي اشتهرت بها "ماركس أند سبنسر" لم تكن كافية لأن المستهلك لم يفهم لماذا ينبغي أن يختارها أصلًا.
عندما لم تعد الخصومات كافية
بدأت الصورة تتضح تدريجيًا، هناك سوق تجزئة ضخمة، لكن المستهلك لا يشتري بما يكفي، والمنتجات جيدة، لكنها لا تتوافق بالضرورة مع ذوقه، والمتاجر كبيرة، لكن تكلفتها أصبحت عبئًا. وحتى الخصومات التي وصلت إلى 70% لم تكن قادرة على إنقاذ الفروع.
وفي 2016، بعد نحو ثمانية أعوام من دخول الصين، أعلنت "ماركس أند سبنسر" إغلاق متاجرها العشرة في البر الرئيسي، وكان الانسحاب اعترافًا بأن المشكلة لم تكن في السوق الصينية بقدر ما كانت في طريقة قراءة الشركة لها.
وحاولت "ماركس أند سبنسر" إبقاء نافذة مفتوحة عبر التجارة الإلكترونية، لكنها أغلقت متجرها على منصة "تيمول" بعد عام واحد فقط، معلنة مراجعة استراتيجية لأعمالها الدولية.

وهكذا، لم يكن الزحام الذي استقبل أول متاجر "ماركس أند سبنسر" في الصين دليلًا على أنها فهمت السوق، بل ربما كان أول مشهد في قصة سوء الفهم.
وبينما كانت الشركة تحاول إقناع الصينيين بشراء ما نجح في بريطانيا، كان منافسوها يحاولون اكتشاف ما يريده المستهلك الصيني فعلًا، وهو ما دفعها للانسحاب، ليس لأنها دخلت سوقًا صعبة فحسب، بل لأنها دخلتها وهي تحمل معها وصفة نجاح صُممت لسوق أخرى.
المصادر: موقع "ماركس أند سبنسر" - فاينانشال تايمز – ساينس دايركت – جلوبال تايمز – ساوث تشاينا مورنينج بوست.
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}