في مارس 2020 حدث شيء يفترض نظريًا ألا يحدث بسهولة؛ بدأ المستثمرون يبيعون أكثر أصول العالم استخدامًا كملاذ آمن، سندات الخزانة الأمريكية، للحصول على السيولة.

خلال ذلك الشهر وحده بلغ صافي مبيعات المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة قرابة 420 مليار دولار، وجاء أكثر من نصفها من جهات رسمية أجنبية.
لم تكن المشكلة أن الولايات المتحدة أصبحت فجأة على وشك التعثر، وإنما تحرك عدد كبير من البائعين في الاتجاه نفسه، بينما لم تستطع ميزانيات الوسطاء امتصاص الأوراق بالسرعة المطلوبة.
وفي النهاية تدخل الاحتياطي الفيدرالي لاحقًا بمشتريات ضخمة لاستعادة التوازن في السوق.
المتأمل في هذه السابقة قد يستشعر القلق الآن عندما يسمع أن أكبر صندوق سيادي في العالم يخطط لخفض حيازاته من سندات الخزانة، فهل أصبحت الديون الأمريكية أقل جاذبية في نظر كبار المستثمرين؟
ما الذي اقترحته أوسلو فعلًا؟
- في خطاب بتاريخ الأول من سبتمبر، أوصى بنك النرويج بخفض وزن السندات الحكومية في مؤشر الدخل الثابت لصندوق التقاعد الحكومي إلى 50% من 70%.
- المبرر ليس توقع تعثر حكومي أمريكي، بل يرى البنك أن 50% من السندات الحكومية تكفي لتلبية احتياجات السيولة، بينما تسمح النسبة المتبقية باقتناص علاوات مخاطر أعلى في سندات الشركات والأوراق المورقة والأدوات المرتبطة بالحكومات.
- تقدر وكالة "رويترز" أن الاقتراح يخفض حيازات الصندوق بنحو 80 مليار دولار من مستوى 215 مليار دولار المسجل بنهاية يونيو، علمًا بأن التنفيذ، إن وافقت عليه السلطات النرويجية، فلن يبدأ قبل منتصف 2027 وسيتم تدريجيًا لتقليل أثر التداول وتكاليفه.
|
خطة التعديل الخاصة باستثمارات الصندوق النرويجي ودلالاتها |
||||
|
المؤشر |
الوضع الحالي/المرجعي |
المقترح |
الدلالة |
|
|
نسبة السندات الحكومية داخل مؤشر السندات |
70% |
50% |
تقليل دور الدين السيادي لصالح علاوات مخاطر أخرى |
|
|
سندات الخزانة الأمريكية داخل مؤشر السندات |
34.1% |
21.9% |
أكبر خفض جغرافي رئيسي |
|
|
حيازات الصندوق من السندات الأمريكية |
215 مليار دولار |
خفض 80 مليار دولار |
تحول كبير للصندوق لكن صغير نسبيًا للسوق |
|
|
السندات الأمريكية القابلة للتداول |
31.5 تريليون دولار |
— |
يوضح عمق السوق |
|
|
متوسط تداول السندات الأمريكية يوميًا |
1.204 تريليون دولار |
— |
امتصاص البيع التدريجي ممكن في الظروف الطبيعية |
|
- هذا ليس تخارجًا من الأصول الأمريكية، فالمقترح يضيف، بين أشياء أخرى، الأوراق المالية المدعومة برهون عقارية صادرة أو مضمونة عبر الوكالات الأمريكية، وأيضًا تشير "رويترز" إلى أن وزن الدولار في الصندوق سيبقى قريبًا من مستواه الحالي .
- أي أن مدير الصندوق لا يقول إن الدولار لم يعد مناسبًا للاستثمار، وإنما: ليس ضروريًا أن يكون هذا القدر الكبير من محفظة السندات في ديون الحكومات ذات العائد الأقل.

أين يقع الأثر الحقيقي إذن؟
- الأثر الأول يقع على علاوة الأجل، فالمستثمر الذي يشتري سندًا أمريكيًا لعشر أو ثلاثين سنة لا يتحمل فقط مسار الفائدة؛ بل يطلب تعويضًا مقابل التضخم وعدم اليقين وطول مدة تجميد رأس المال.
- الطلب الهيكلي من البنوك المركزية والصناديق السيادية كان تاريخيًا أحد العوامل التي تضغط هذه العلاوة إلى أسفل، وإذا تقلص هذا الطلب، فليس من الضروري حدوث "بيع هلعي" حتى ترتفع العوائد.
- يكفي أن يصبح المستثمر التالي أكثر حساسية للسعر، وعندها تحتاج وزارة الخزانة إلى عائد أعلى لجذب المشتري الجديد. لكن حالة النرويج وحدها أضعف كثيرًا من أن تصنع هذا التحول.
- فسوق سندات الخزانة التي يتجاوز حجمها 31 تريليون دولار، مع تداولات يومية بأكثر من تريليون دولار، لا يمكن أن تتأثر عميقًا بعملية إعادة تخصيص قدرها 80 مليار دولار على نطاق زمني طويل.
- لكن الخطر يبدأ عند الانتقال من "كم سيبيع النرويجيون؟" إلى "من سيشتري ما لم يعد الأجانب يريدون الاحتفاظ بالدين الحكومي الأمريكي؟".
- في يونيو وحده بلغت حيازات المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية 9.299 تريليون دولار، لذلك فإن تغيرًا محدودًا لكن متزامنًا في سياسة عدد كبير من المؤسسات الأجنبية أهم بعشرات المرات من قرار النرويج نفسه.
ماذا لو انتشرت العدوى؟
- ثمة ثلاث مراحل محتملة، ولا ينبغي الخلط بينها.
|
سيناريوهات توسع المؤسسات الأجنبية في بيع السندات الأمريكية |
|
||
|
السيناريو |
ما الذي يحدث؟ |
النتيجة المرجحة |
|
|
إعادة موازنة موزعة |
مؤسسات تخفض حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية تدريجيًا وتشتري أوراقًا مالية مدعومة بالرهن العقاري وشركات وأصولًا أمريكية أخرى |
ارتفاع محدود في علاوة الأجل، دون أزمة سيولة |
|
|
تحول هيكلي جماعي |
صناديق سيادية ومديرو الاحتياطيات يخفضون الوزن الاستراتيجي لسندات الخزانة لسنوات |
عوائد أعلى للديون طويلة الأجل وتمويل حكومي أغلى وحاجة أكبر لمشترين أمريكيين |
|
|
بيع متزامن تحت الضغط |
خفض استراتيجي يتزامن مع صدمة تضخم أو تمويل بالدولار أو خروج من الصناديق |
خطر حدوث خلل في سيولة السوق وتدخل رسمي، على غرار آلية مارس 2020 |
|
- مع ارتفاع العائد الخالي من المخاطر تنتقل الزيادة إلى الرهون العقارية وسندات الشركات وتقييمات الأسهم، وبذلك يصبح الأمر دائرة تغذية عكسية.

- العوائد المرتفعة ترفع تكلفة خدمة الدين، وزيادة الاحتياجات التمويلية تزيد المعروض، وإذا لم يرتفع الطلب بالسرعة نفسها، ترتفع العوائد اللازمة لجذب رأس المال.
- أما المرحلة الثالثة فهي الأزمة الفعلية، وتجربة عام 2020 توضح أن حجم السوق لا يضمن السيولة في كل لحظة.
- عندما أصبح نطاق البيع واسعًا ومتزامنًا، تجاوزت التدفقات قدرة الوسطاء على الوساطة، واضطر الفيدرالي إلى شراء ما يزيد على 100 مليار دولار يوميًا في بعض مراحل تدخله.
- هذه هي النقطة التي يعيد فيها مارس 2020 نفسه: الأزمة لا تبدأ عندما يريد مستثمر كبير البيع، وإنما عندما يريد عدد كبير البيع قبل أن تتسع ميزانيات المشترين والوسطاء لاستقبالهم.
لماذا قد لا تحدث الأزمة أصلًا؟
- اقتراح النرويج نفسه يكشف المشكلة، فالصندوق يستطيع خفض حيازاته من السندات الأمريكية، لكنه لا يبتعد كثيرًا عن النظام المالي الأمريكي، بل ينتقل جزئيًا إلى الأوراق المدعومة بالرهن العقاري وأصول دولارية أخرى.
- فوق ذلك، لا يزال الطلب الأجنبي الكلي حاضرًا، حيث أظهرت بيانات وزارة الخزانة لشهر يونيو بلوغ صافي مشتريات الأجانب 207.1 مليار دولار من الأوراق الأمريكية طويلة الأجل، بينها 37.3 مليار دولار من المؤسسات الرسمية الأجنبية.
- أي أن خبر النرويج لا يتزامن حتى الآن مع دليل على إضراب عالمي عن شراء الأصول الأمريكية، لذلك فالسيناريو الذي قد يفجّر أزمة ليس "الجميع يقلد النرويج".

- لذلك فشرط الانهيار أن يحدث التقليد بالتزامن مع ثلاثة أمور: تضخم يبقي الفائدة مرتفعة، إصدارات حكومية ضخمة، وصدمة تجعل حائزي الاحتياطيات بحاجة إلى السيولة في الوقت نفسه.
- النرويج، إذن، ليست شرارة لحدث جوهري قادم، لكنها قد تكون إشارة مبكرة إلى تغير السؤال الذي تسأله المؤسسات العالمية: بدل "كم نحتاج من السندات الحكومية للتحوط؟" صار السؤال "كم منها يكفي؟".
- إذا انتشر السؤال فقط، ترتفع تكلفة تمويل الولايات المتحدة تدريجيًا، وإذا انتشرت الإجابة نفسها في لحظة ضغط، عندها يصبح مارس 2020 هو السابقة التي ينبغي استدعاؤها.
المصادر: أرقام- الاحتياطي الفيدرالي- الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك- صندوق الثروة النرويجي- رابطة قطاع الأوراق المالية والأسواق المالية في أمريكا- وزارة الخزانة الأمريكية- رويترز
التعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}