ترامب يطلق الرصاص على قدمه

07:57 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

في نظرية الألعاب، لا تكمن قوة التهديد فقط في حجم الضرر الذي يَعِد بإلحاقه بالخصم، بل في مدى اقتناع الخصم بأن صاحبه مستعد لتحمل كلفة تنفيذه أيضًا.

 

 

الاقتصادي الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل "توماس شيلينغ" بنى جزءًا مهمًا من كتابه "استراتيجية الصراع" (The Strategy of Conflict) على هذه المفارقة.

 

 لكي تُجبر الطرف الآخر على تغيير سلوكه، قد تحتاج إلى إقناعه بأنك مستعد لاتخاذ خطوة لا تفضّلها أنت نفسك إذا رفض الاستجابة، وقوة التهديد هنا لا تأتي من أن تنفيذ التهديد مريح لك، بل من أن تكلفة التراجع عنه قد تصبح أكبر من تكلفة تنفيذه.

 

بهذا المعنى، يصبح التصريح الأخير للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أكثر إثارة للاهتمام من مجرد هجوم جديد على الاحتياطي الفيدرالي، حيث يطلب من مؤسسة أمريكية خفض الفائدة، لكنه يلوّح - إذا لم تفعل - بمعاقبة دول أجنبية عبر وقف التجارة معها.

 

والمشكلة أن السلاح الذي اختاره لا يصيب الخارج وحده، فجزء من شظاياه يعود مباشرة إلى المصانع والمستهلكين والتضخم داخل الولايات المتحدة.

 

لماذا ربط الفائدة بالعجز التجاري؟

 

- بالأمس، قال "ترامب" إنه إذا لم يخفض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة فسيوقف التجارة مع الدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزًا معها، معتبرًا أن الفائدة المرتفعة تضع بلاده في "وضع تنافسي غير عادل".

 

- جاء ذلك بعد تقرير وظائف أغسطس الأقوى من المتوقع، والذي دفع الأسواق، على العكس من مطلب "ترامب"، إلى رفع احتمالات زيادة الفائدة.

 

- مع ذلك، فهناك منطق اقتصادي حقيقي خلف الجزء الأول من الربط، وإن كان لا يقود بالضرورة إلى الجزء الثاني، حيث الفائدة الأمريكية الأعلى نسبيًا تجعل الأصول الدولارية أكثر جاذبية.

 

 

- إن تدفق رؤوس الأموال يدعم الدولار، والدولار الأقوى يجعل السلع الأمريكية أغلى نسبيًا للأجانب والواردات أرخص للمستهلك الأمريكي، وفي الظروف المناسبة يمكن لذلك أن يوسع العجز التجاري.

 

- لكن هناك أيضًا علاقة محاسبية أعمق: الاقتصاد الذي يستقبل صافي تدفقات رأسمالية من الخارج يقابل ذلك (بحكم حسابات ميزان المدفوعات) بعجز في الحساب الجاري.

 

- لهذا فإن اعتبار العجز التجاري مجرد نتيجة لـ "غش" الدولة المقابلة يتجاهل أن جانبًا منه يعكس أيضًا الادخار والاستثمار والسياسة المالية وتدفقات رأس المال داخل الولايات المتحدة نفسها.

 

- إذن رسالة "ترامب" هي تقريبًا: أنتم في الفيدرالي ترفعون تكلفة التمويل وتدعمون الدولار، ثم تطلبون مني التعايش مع عجز تجاري أوسع؛ فإذا لم تغيروا السياسة النقدية فسأعالج النتيجة من الحدود.

 

- لكن هنا ينكسر هذا الربط، فخفض الفائدة لا يضمن هبوط الدولار، وهبوط الدولار لا يضمن اختفاء العجز، كما أن منع الواردات لا يعالج السبب الكلي للعجز بالضرورة، فقد ينتقل ببساطة من الصين إلى فيتنام أو المكسيك أو تايوان.

 

- هذا التحول حدث بالفعل جزئيًا، ففي عام 2025 هبط العجز السلعي مع الصين إلى نحو 202 مليار دولار، فيما قفز مع فيتنام إلى 178 مليارًا ومع تايوان إلى نحو 147 مليارًا.

 

إذن من الذي يهدده ترامب فعليًا؟

 

- هنا تعود مفارقة "شيلينغ"، فالتهديد لا يُوجه دائمًا إلى الطرف الذي سيتحمل العقوبة مباشرة، أحيانًا يكون المتلقي الحقيقي هو طرف ثالث يُراد تغيير سلوكه عبر إظهار الاستعداد لتحمل كلفة مؤلمة.

 

- لكن هذه أقرب إلى عملية "أخذ رهينة اقتصادية": الفيدرالي لا يصدر ولا يستورد، لكنه يعرف أن منع التدفقات السلعية يخلق صدمة أسعار وإنتاج قد يصبح هو نفسه مطالبًا بعلاجها.

 

 

- لهذا يمكن القول إن "ترامب"، بدرجة ما، يهدد نفسه أيضًا، فإذا نفذ التهديد وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع ونقص المدخلات، قد ترتفع الضغوط التضخمية، فيصبح خفض الفائدة الذي يريده أصعب لا أسهل.

 

- تظهر المفارقة بوضوح لأن بيانات يوليو الأخيرة سجلت ارتفاع واردات السلع الأمريكية 11.4 مليار دولار خلال شهر واحد، أي أن الواردات التي يريد استخدامها كسلاح هي نفسها مدخلات لدورة الاستثمار الأمريكية الحالية.

 

ما الذي يعنيه وقف التجارة؟

 

- الحجم يجعل التهديد هذه المرة مختلفًا جذريًا عن سلاح الرسوم الجمركية الإضافية.

 

حجم تجارة السلع بين أمريكا وأبرز الشركاء

الشريك

حجم تجارة السلع في 2025

(مليار دولار)

العجز الأمريكي

(مليار دولار)

لماذا الاستبدال صعب؟

المكسيك

872

197

سيارات وقطع غيار وسلاسل إنتاج عابرة للحدود

الصين

415

203

إلكترونيات، آلات ومدخلات صناعية واستهلاكية واسعة

فيتنام

210

178

إلكترونيات، أثاث، ملابس وأحذية؛ وهي نفسها بديل سابق للصين

تايوان

256

147

أشباه الموصلات وأجهزة الحوسبة، خصوصاً سلاسل الذكاء الاصطناعي

كندا

716

48

طاقة وسيارات ومواد صناعية وسلاسل متكاملة جغرافيًا

 

- المكسيك ربما أوضح مثال، حيث استوردت الولايات المتحدة منها وحدها 534 مليار دولار من السلع في 2025، وفي قطاع قطع السيارات تحديدًا كانت الواردات الأمريكية منها بقيمة 81.2 مليار دولار في 2024.

 

- يأتي ذلك من خلال صناعة بنيت مصانعها ومورديها منذ عقود على عبور المكونات الحدود أكثر من مرة قبل اكتمال تصنيع السيارة، وهذه ليست واردات يمكن تحويلها إلى البرازيل أو كوريا خلال أسبوع.

 

- تايوان أكثر حساسية من حيث التكنولوجيا، فالعجز معها تضخم بقوة بسبب طفرة الاستثمار في الحوسبة والذكاء الاصطناعي؛ وهي محور عالمي في تصنيع الدوائر المتكاملة.

 

- إنشاء قدرة بديلة متقدمة يحتاج مصانع بمليارات الدولارات وسنوات وتأهيل خطوط إنتاج وعملاء، وليس مجرد العثور على بائع جديد.

 

- أما فيتنام فتوضح مشكلة أخرى: البديل نفسه قد يصبح الهدف التالي. وذلك لأن جزء من فك الارتباط مع الصين نتج عنه نقل سلاسل التوريد إلى جنوب شرق آسيا.

 

- فإذا أصبح مجرد وجود عجز ثنائي سببًا لقطع العلاقات التجارية، فإن تنويع الموردين لا يحل المشكلة، بل ينقل اسم الدولة في جدول العجز.

 

 

هل يستطيع ترامب قانونيًا وقف التجارة؟

 

- هنا توجد مفارقة قانونية مهمة جدًا، ففي 20 فبراير قضت المحكمة العليا بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لا يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية.

 

- المحكمة أكدت أن سلطة التعريفة أصلها للكونغرس وأن هذا القانون لا يتطرق إلى الرسوم أو الضرائب. لكن نص القانون نفسه يمنح الرئيس، صلاحيات واسعة لـ "منع أو حظر" معاملات واستيراد أو تصدير ممتلكات مرتبطة بمصالح أجنبية.

 

- المحكمة نفسها أشارت إلى أن الحظر موجود صراحة في القانون بينما التعريفة غير منصوص عليها، ومع ذلك، فهذا لا يعني أن "ترامب" يمتلك شيكًا على بياض لوقف التجارة مع أي دولة لمجرد وجود عجز.

 

- استخدام هذا القانون مشروط بوجود "تهديد غير عادي واستثنائي" مصدره كليًا أو بدرجة كبيرة من الخارج، وإعلان حالة طوارئ مرتبطة به.

 

- من ثم فإن محاولة تحويل العجز التجاري وحده إلى حظر شامل ستفتح فورًا معركة قضائية ضخمة حول استيفاء هذه الشروط.

 

ماذا لو نفذ تهديده قسرًا؟

 

- المشكلة ليست أن أمريكا "لا تستطيع العيش" دون هذه الدول، فاقتصاد بحجم الولايات المتحدة يستطيع في النهاية إعادة تشكيل سلاسل إمداده، لكن المشكلة هي الزمن والتكلفة.

 

- في الأيام والأسابيع الأولى من التطبيق ستختفي أو تتعطل أجزاء من الواردات، وتقفز أسعار بعض المدخلات، وتبدأ الشركات في السحب من المخزونات. السيارات والإلكترونيات ومعدات الحوسبة ستكون من أكثر النقاط حساسية.

 

 

- ثم يبدأ الاستبدال، ربما سيتحول جزء من الطلب إلى اليابان وكوريا وأوروبا ودول جنوب شرق آسيا، لكن أسعار المورد البديل سترتفع، والطاقة الإنتاجية لن تكفي فورًا، وبعض المنتجات (رقائق متقدمة أو مكونات سيارات أو إمدادات الطاقة) لا تملك بديلًا سريعًا بالحجم نفسه.

 

- في الوقت نفسه سترد الدول المستهدفة، ويكفيها استهداف صادرات قطاعات مثل الزراعة، الطائرات، الطاقة أو منتجات ولايات محددة (مثل تلك التي توجد بها قاعدة جماهيرية لـ "ترامب").

 

- الأهم أن النتيجة قد تعمل ضد الهدف الأصلي، فوقف الواردات يخلق صدمة عرض، وصدمة العرض ترفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يعطي الفيدرالي سببًا أقل لخفض الفائدة وأكبر لرفعها.

 

- عند هذه النقطة ينقلب منطق "شيلينغ" على صاحبه، فالتهديد الفعال يحتاج إلى قدر من الألم الذاتي كي يكون قابلًا للتصديق، وعلى الطرف الآخر أن يعتقد أنك مستعد بالفعل لدفع الثمن.

 

- هناك حد تتحول بعده هذه الكلفة من دليل على الجدية إلى سبب لعدم تنفيذ التهديد أصلًا، وهذا هو المأزق الذي وضع "ترامب" فيه نفسه، فكلما استهدف شركاءً كبارًا، أصبحت الصدمة على الأسعار والإنتاج وسلاسل الإمداد الأمريكية أكبر.

 

 

- في النهاية، قد يصل التهديد إلى النقطة التي وصفها "منطق الردع" لـ "شيلينغ" منذ عقود، حيث يمتلك صاحبه القدرة على تنفيذ العقوبة، لكنه لا يستطيع ذلك من دون أن يغير البيئة الاقتصادية في الاتجاه المعاكس تمامًا للنتيجة التي أرادها.

 

- فإذا تسبب هذا الإجراء في رفع التضخم، سيكون "ترامب" قد استخدم أقوى أدواته لإجبار الفيدرالي على خفض الفائدة، ثم أعطاه أقوى مبرر لعدم خفضها وكأنه أطلق الرصاص على قدمه.

 

المصادر: أرقام- رويترز- إفصاحات المحكمة العليا في أمريكا- تقارير مكتب التحليلات الاقتصادية- بيانات مكتب التمثيل الاقتصادي للولايات المتحدة- الإدارة الأمريكية للتجارة الدولية- منشورات كلية الحقوق بجامعة كورنيل- تقارير بحثية للكونجرس- تقارير لجنة التجارة الدولية الأمريكية

مصادر أخرى: بحث بعنوان "Tom Schelling’s Contributions to Conflict Theory and Research"- كتاب "The Strategy of Conflict"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.

الأكثر قراءة