هل يربك التضخم حسابات البنوك المركزية؟
لم يكن صانعو السياسة النقدية يتمنون العودة إلى هذه النقطة، فبعد أشهر من الرهان على أن التضخم العالمي يمضي بثبات نحو التراجع، بدأت مؤشرات مقلقة في الظهور مجددًا، النفط يرتفع، وأسعار السندات تتراجع، وعوائدها تقفز إلى مستويات لم تعتدها الأسواق منذ سنوات، فيما يتوقف التضخم عن الاقتراب من أهداف البنوك المركزية.
خلف هذا المشهد، يجد محافظو البنوك المركزية أنفسهم أمام معضلة أكثر تعقيدًا من مجرد السيطرة على التضخم؛ فعليهم أن يقرروا ما إذا كانت موجة ارتفاع الأسعار الحالية مؤقتة ويمكن تجاوزها، أم أنها تهدد بإعادة إشعال التضخم، وفي الوقت نفسه، يتعين عليهم التعامل مع ضغوط سياسية متزايدة، خصوصًا على الاحتياطي الفيدرالي، لخفض أسعار الفائدة.

السندات ترسل الإشارة الأولى
أشعلت موجة البيع العالمية الأخيرة للسندات الحكومية المخاوف من عودة التضخم، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط بفعل استمرار الحرب في الشرق الأوسط، ومع تراجع أسعار السندات، ارتفعت عوائدها، لتقفز تكلفة الاقتراض إلى مستويات مرتفعة.
ولا تعكس العوائد المرتفعة مخاوف المستثمرين من التضخم فحسب، بل تعكس أيضًا اعتقادًا بأن الاقتصادات قد تكون قادرة على تحمل أسعار فائدة أعلى، في وقت تواصل فيه الحكومات والشركات الاقتراض بوتيرة قوية.
لكن الرسالة الأكثر إزعاجًا لمحافظي البنوك المركزية هي أن الأسواق قد تكون بدأت تتوقع منهم مزيدًا من التشديد النقدي.

معركة التضخم لم تنتهِ بعد
كان السيناريو المتوقع في بداية العام مختلفًا تمامًا؛ إذ كانت التوقعات تشير إلى تثبيت الفائدة أو خفضها لدى معظم البنوك المركزية الكبرى، لكن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار الصراع في الشرق الأوسط لأشهر وليس لأسابيع فقط، أعادا الحسابات إلى نقطة أكثر تعقيدًا.
وتوقف متوسط التضخم في الاقتصادات الغنية عن الانخفاض نحو مستوى 2% المستهدف، وفي منطقة اليورو، بلغ التضخم 3.3% في أغسطس، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات، بينما اقترب في ليتوانيا من 6%، مقارنة مع 3.1% في يناير، وحتى في سويسرا حيث لا يتجاوز التضخم 0.8%، يُعد هذا الرقم الأعلى في عامين.
ولا يقتصر الخطر على ارتفاع أسعار النفط، فزيادة أسعار الغاز في أوروبا، إلى جانب احتمال زيادة الطلب مع إعادة ملء مخزونات الشتاء، قد تطيل أمد الضغوط على الأسعار، وهنا يعود شبح عام 2022 إلى الواجهة.
فالبنوك المركزية تعرضت آنذاك لانتقادات بسبب بطء استجابتها للتضخم، الذي تجاوز 10% في بريطانيا ومنطقة اليورو و9% في الولايات المتحدة. ولذلك، لا يريد صانعو السياسة النقدية اليوم المخاطرة بتكرار الخطأ نفسه.

مهمة شاقة
تزداد صعوبة المهمة لأن صدمة النفط قد تكون خارج سيطرة البنك المركزي، فعادة ما تتعامل البنوك المركزية مع ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره صدمة مؤقتة، وتتجنب رفع الفائدة لمواجهة أثر يفترض أن يتلاشى سريعًا، لكن المشكلة هذه المرة أن الحرب مستمرة منذ أشهر، وكلما طال أمد ارتفاع الأسعار زاد خطر أن تبدأ الشركات والعمال في إدخال توقعات التضخم المرتفعة داخل قراراتهم.
وعلى الساحة العالمية، بدأت موجة التشديد النقدي تمتد إلى مزيد من البنوك المركزية، مع تجدد المخاوف من بقاء التضخم مرتفعًا لفترة أطول، ففي الثاني من سبتمبر، رفع البنك المركزي النيوزيلندي سعر الفائدة 25 نقطة أساس إلى 2.75%، محذرًا من استمرار مخاطر ارتفاع التضخم على الاقتصاد.
وتأتي هذه الخطوة بعد تحركات مماثلة من بنك اليابان، الذي رفع الفائدة إلى 1% في يونيو، ومن بنك كوريا الجنوبية خلال يوليو وأغسطس.
كما تزايدت توقعات الأسواق بشأن مواصلة بنك اليابان تشديد السياسة النقدية، مع ترجيح رفع الفائدة 25 نقطة أساس إلى 1.25% خلال اجتماعه المقرر هذا الشهر، وفي بريطانيا، يعزز المتداولون رهاناتهم على رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
أما البنك المركزي الأوروبي، فتتجه التوقعات إلى رفع سعر الفائدة على الودائع إلى 2.5% في اجتماعه هذا الأسبوع، في ثاني زيادة له هذا العام، بينما يترقب المستثمرون توقعاته المحدثة للنمو والأسعار بحثًا عن إشارات إلى مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

الفيدرالي أمام الاختبار الأصعب
في الولايات المتحدة، تزداد حساسية القرار، فقد تباطأ التضخم من 4.2% في مايو إلى 3.5% في يونيو ثم 3.4% في يوليو، لكن هذا التحسن لا يكفي لإقناع الجميع بأن المعركة انتهت.
وفي خطابه في جاكسون هول، أشار رئيس الاحتياطي الفيدرالي "كيفن وارش"، إلى أن البنك المركزي قد لا يكون قد انتهى من مكافحة التضخم، وكانت هذه التصريحات الأكثر جوهرية له منذ توليه منصبه، واعتبرها المستثمرون مؤشراً على أن الاحتياطي الفيدرالي بات أكثر ميلاً إلى رفع أسعار الفائدة.
لذلك ستكون بيانات التضخم الأمريكية – التي ستصدر الجمعة - حاسمة في تحديد اتجاه الفائدة، فإذا أظهرت استمرار تراجع الضغوط السعرية، قد يفضل الفيدرالي الانتظار، أما إذا عكست تسارعًا جديدًا، فسيزداد الضغط لرفع الفائدة.
وتزداد حساسية المشهد في الولايات المتحدة مع الضغوط السياسية على الفيدرالي لخفض الفائدة، في وقت يؤكد فيه مسؤولوه تمسكهم باستقلالية البنك المركزي.
في النهاية، لا يملك الفيدرالي رفاهية تجاهل التضخم، كما لا يستطيع تجاهل الضغوط السياسية المحيطة به. وبينما تستعد الأسواق لبيانات قد تحسم اتجاه الفائدة، يبقى الاختبار الحقيقي لاستقلالية البنك المركزي: هل ستكون البيانات صاحبة الكلمة الأخيرة في قرار الفيدرالي، أم أن رغبة ترامب في خفض الفائدة ستترك بصمتها على القرار؟
المصادر: أرقام - صحيفة الإيكونومست – استطلاع "رويترز" لآراء الخبراء - صحيفة "نيويورك تايمز"
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}