قد يبدو للوهلة الأولى وكأن أسوأ ما شهده سوق النفط على الإطلاق بدأ ينحسر، مع عودة الناقلات تدريجيًا إلى عبور مضيق هرمز، وتدفق ملايين البراميل مجددًا إلى الأسواق، بعد أشهر من الاضطراب الذي هدد بإخراج خُمس الإمدادات العالمية من المعادلة.
 

لكن سوق النفط لا تنظر فقط إلى البراميل التي تتدفق اليوم، بل أيضًا إلى ما فقدته خلال الأشهر الماضية، فهل تعني عودة التدفقات بالضرورة عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب؟
 


السوق لم تعد كما كانت

في عام 2023، كانت التوقعات تشير إلى عالم يغرق بالنفط بحلول 2028، بعدما توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز الإنتاج العالمي حجم الطلب، وساهمت تلك التوقعات في إبقاء الأسعار عند مستويات لا تشجع على ضخ استثمارات جديدة في حقول ومصافي النفط.
 

لكن ما لم يدخل في الحسابات كان سيناريو إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، لذلك عندما اندلع الصراع في الشرق الأوسط أواخر فبراير، توقفت ملايين البراميل عن الوصول إلى الأسواق، ووجد العالم نفسه أمام أزمة لم تكن تملك لها سوق النفط حلولًا فورية.
 

صحيح أن التدفقات بدأت تتعافى، إذ قدّر بنك "غولدمان ساكس" صادرات النفط الخليجية بنحو 23.3 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع الماضي، بما يتماشى تقريبًا مع متوسط مستويات 2025، بينما قدّر "جيه بي مورغان" متوسط الصادرات خلال عشرة أيام بنحو 20.5 مليون برميل يوميًا، أي 89% من مستويات العام الماضي، لكن استعادة الحركة لا تمحو ما حدث خلال الأشهر السابقة.
 

أما فيما يتعلق بحجم النفط الخام غير الإيراني الذي ينجح في العبور، فتقدم شركات تتبع حركة السفن تقديرات متفاوتة نوعاً ما.
 

فوفقاً لشركة "كبلر"، بلغ متوسط ​​التدفقات خلال الأسبوع المنتهي في السابع والعشرين من سبتمبر نحو 12.5 مليون برميل يومياً، وهو رقم يقل بمليون برميل فقط عن "معدل ما قبل الحرب"، في المقابل، قدّرت منصة "ويندوارد"  حجم التدفقات بنحو 10 ملايين برميل يومياً.
 


السوق لم تتجاوز مرحلة الخطر

يرى "بوب ماكنالي"، مؤسس شركة "رابيدان إنيرجي جروب"، أن تعافي شحنات الخام "خبر جيد"، لكنه لا يعني أن السوق قد تجاوزت مرحلة الخطر؛ فهناك عجز كبير تراكم خلال الأشهر الماضية، وعودة التدفقات لا تفعل سوى تقليص هذا العجز، لا إعادة السوق إلى وضعها السابق.
 

وإلى جانب أن المخزونات العالمية المرصودة تراجعت منذ اندلاع الصراع بنحو 507 ملايين برميل، بمتوسط سحب يومي يبلغ 2.8 مليون برميل،  تعرضت منشآت التكرير في الشرق الأوسط لأضرار، بينما ارتفعت تكاليف الشحن وظلت إمدادات المنتجات النفطية شحيحة.
 

بمعنى آخر، حتى لو عادت الناقلات إلى الإبحار غدًا بالمعدلات نفسها التي كانت سائدة قبل الحرب، فإن السوق ستحتاج أولًا إلى إعادة بناء مخزوناتها وإصلاح ما تضرر من بنيتها التحتية.
 

ولهذا يحذر محللون من أن استمرار تدفق الخام عبر هرمز عند مستويات ما قبل الحرب لن يكون كافيًا وحده لخفض الأسعار العالمية بصورة ملموسة خلال الأسابيع المقبلة.
 


دور الصين

لعبت الصين خلال الأزمة دورًا مهمًا في كبح الأسعار، إذ سحبت من احتياطياتها وخفضت وارداتها من الخام بنحو 50% بين فبراير ويونيو 2026.
 

لكن الوضع بدأ يتغير، إذ ارتفعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 6.2% في أغسطس مقارنة بشهر يوليو، بينما لا تزال احتياطياتها، التجارية والاستراتيجية معًا، تكفي لنحو أربعة إلى ستة أشهر.
 

وإذا بدأت بكين في إعادة بناء مخزوناتها، فقد يظهر طلب إضافي في السوق في اللحظة التي لم تتعاف فيها الإمدادات بشكل كامل، وهكذا فإن عودة النفط إلى الأسواق قد تقابلها عودة الطلب أيضًا، ما يقلل من أثر زيادة المعروض على الأسعار.
 


ماذا عن الأسعار؟

رغم تحسن حركة الملاحة، لا يزال سعر خام برنت يتداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، أي أعلى بنحو 40 في المائة مما كان عليه عند اندلاع الحرب، متجهًا نحو تحقيق مكاسب شهرية تبلغ حوالي 14%، في ظل تعثر المحادثات الأمريكية الإيرانية الرامية لإنهاء الحرب بينهما، واستمرار شح أسواق الوقود.
 

وعلى الرغم من ادعاءات البيت الأبيض بأنه يسيطر على مضيق هرمز، فإن وضع هذا الممر الحيوي للطاقة قد يظل مضطرباً ومعقداً لفترة طويلة، وتؤكد تقارير البنوك أن الاضطرابات المحيطة بالمضيق تشكل سمة قد تكون دائمة في مشهد الطاقة العالمي، وتتوقع مساراً أطول للعودة إلى توازن السوق.
 

وحتى "بنك أوف أمريكا"، الذي يفترض عودة حركة نقل النفط إلى طبيعتها تدريجيًا وتجنب صراع ممتد، يرى أن استمرار المناوشات التي تعيق التدفقات قد يدفع برنت إلى نطاق يتراوح بين 95 و120 دولارًا.

 

توقعات كبرى البنوك لسعر خام برنت (دولار للبرميل)

البنك

متوسط سعر خام برنت المتوقع لعام 2027

جولدمان ساكس

80.0

بنك أوف أمريكا

75.0

إتش إس بي سي

85.0

ستاندرد تشارترد

89.5

 

لذلك، فإن عودة تدفق النفط تمثل خطوة ضرورية لتهدئة السوق، لكنها ليست كافية، فالمخزونات بحاجة إلى إعادة بناء، ومصافي التكرير تحتاج إلى إصلاح، وتكاليف الشحن لا تزال مرتفعة، بينما يبقى مضيق هرمز عرضة للاضطراب.
 

وفي سوق اعتادت أن تقيس التوازن بعدد البراميل، أكدت خلال هذه الأزمة أن البرميل الذي عاد اليوم لا يستطيع بالضرورة تعويض البرميل الذي فُقد بالأمس.

 

المصادر: وكالة الطاقة الدولية - أويل برايس – بلومبرج – أكسيوس –– ذا كونفرزيشن – كوارتز - رويترز -  واشنطن بوست

تعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

{{Comments.indexOf(comment)+1}}
{{comment.FollowersCount}}
{{comment.CommenterComments}}
loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.