المعلم الذي خان الدرس والتلميذ
في سبتمبر عام 1947، في خضم مفاوضات النظام التجاري الجديد في جنيف، دخل الأمريكيون في معركة على قاعدة تبدو اليوم شديدة الاعتياد: الدولة التي تمنح شريكًا تجاريًا امتيازًا، عليها أن تمنحه للآخرين أيضًا.

وكانت واشنطن من أبرز القوى الدافعة نحو مبدأ "الدولة الأولى بالرعاية"، وكان وزير الخارجية الأمريكي السابق "كورديل هال" قد أمضى سنوات يدافع عن تحرير التجارة باعتباره علاجًا للحمائية التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
وبعد أسابيع، وُلدت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة "الجات" بمشاركة 23 دولة. كان موقف المعلم الأمريكي واضحًا: ازدهار الغرب يحتاج أسواقًا أكثر انفتاحًا، وقواعد مشتركة، وحواجز أقل.
اليوم، وبعد ثمانية عقود تقريبًا، ما زال التلميذ الأوروبي يحفظ جزءًا كبيرًا من الدرس، أما المعلم، فقد بدأ يدوّن ملاحظات جديدة في الهامش ويتخلى عن منهجه القديم دفاعًا عن مصالحه الحالية.
يوم الإثنين، رفضت المفوضية الأوروبية تخصيص حكومة بولندا 26 مليون يورو لتوسعة مصنع "مان" للشاحنات في نيبووميتسه، بزعم أن وارسو لم تثبت أن الأموال كانت حاسمة لاختيار الشركة بولندا، وأن قيمة المساعدة غير متناسبة مع الغرض منها.
في الوقت نفسه، وعلى الجهة المقابلة من الأطلسي، لم تعد الحكومة الأمريكية تكتفي بمنحة أو إعفاء ضريبي لجذب المصنع، ففي عدد متزايد من المجالات، أصبحت شريكًا للقطاع الخاص.
وهنا يبدأ اللغز: كيف انتهى الأمر بالولايات المتحدة، التي ساعدت في بناء النظام التجاري الليبرالي بعد الحرب، إلى استخدام أدوات أقرب إلى "رأسمالية الدولة"، بينما لا يزال الاتحاد الأوروبي يطالب أعضاءه بإثبات أن بضعة ملايين من اليوروهات ضرورية ومتناسبة؟
واشنطن لم تعد تقف عند باب المصنع
- التحول ظهر بوضوح خلال ولاية "دونالد ترامب" الثانية، ففي أغسطس 2025، اتفقت الحكومة الأمريكية على استثمار 8.9 مليار دولار في أسهم "إنتل"، مقابل حصة بنسبة 9.9%، إضافة إلى مذكرة تتيح امتلاك حصة أخرى بنسبة 5% في ظروف محددة.
- لم تكن الأموال كلها جديدة؛ فقد جرى تحويل منح اتحادية سبق تخصيصها إلى رأس مال دائم. ثم اتسعت التجربة.

- وزارة الدفاع أصبحت في موقع يسمح لها بأن تكون أكبر مساهم في "إم بي ماتريلز"، بعد استثمار يشمل أسهمًا ممتازة قابلة للتحويل وضمانات تعادل نحو 15% من أسهم الشركة.
- وزارة الطاقة بدورها حصلت على حقوق تمنح الحكومة 5% من أسهم "ليثيوم أمريكاز"، و5% أخرى من المشروع المشترك للشركة مع "جنرال موتورز" في منجم "ثاكر باس".
- كما استثمر البيت الأبيض 35.6 مليون دولار في "تريلوجي ميتالز" ليحصل على حصة 10%، مع ضمانات لشراء 7.5% إضافية.
- بحلول يونيو 2026 امتدت الفكرة إلى المواد المتقدمة والحوسبة الكمومية، حيث استثمرت واشنطن 500 مليون دولار مقابل حصة أقلية في "ساندبوكس إيه كيو"، و375 مليون دولار في "جلوبال فاوندريز" مقابل نحو 1%.
- يأتي فوق كل ذلك تمويلات لنحو ست شركات حوسبة كمومية بقيمة تقارب 100 مليون دولار لكلٍ منها مقابل حصص أقلية، إلى جانب مليار دولار لإنشاء شركة تصنيع رقائق كمومية بالشراكة مع "آي بي إم".
لم تعد المساعدة مجرد شيك
- هذه ليست نهاية السوق الأمريكية كما نعرفها، فمثلًا "إنتل" تظل شركة مدرجة، والحكومة لا تملك مقعدًا في مجلس إدارتها، وحصتها وُصفت بأنها سلبية.
- لكنها تغير تعريف الدور الحكومي، فالدولة لم تعد فقط من يحدد قواعد اللعبة أو يدعم اللاعب؛ أصبحت أحيانًا تشتري جزءًا من اللاعب نفسه، وهو تحول تدفعه كلمة واحدة: الأمن.
- الرقائق، والليثيوم، والعناصر الأرضية النادرة، والمغناطيسات والحوسبة الكمومية لم تعد تُعامل كسلع عادية، وأصبحت حلقات في صراع سلاسل إمداد مع الصين.
- بمجرد وضع القطاع داخل دائرة الأمن القومي، تتراجع حساسية واشنطن التقليدية تجاه سؤال "هل هذا تدخل في السوق؟".

التلميذ ليس بريئًا كليًا
- أوروبا لا تحظر مساعدات الدولة، فالمادة 107 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي تحظرها كقاعدة عامة عندما تمنح ميزة انتقائية تشوه المنافسة، لكنها تسمح باستثناءات واسعة.
- في يونيو 2025 تبنت المفوضية إطار "CISAF" الذي يسهل دعم الطاقة النظيفة، وإزالة الكربون، وتصنيع التقنيات النظيفة، وتقليل مخاطر الاستثمارات الخاصة.
- في سبتمبر الماضي، وافقت المفوضية على آلية ألمانية قد تصل قيمتها إلى 35 مليار دولار يورو لضمان قدرات توليد الكهرباء. إذن القضية ليست أن أوروبا لا تنفق.
- القضية أن الاتحاد يحمل عبئًا لا تحمله واشنطن: عليه أن يتدخل عبر السياسة الصناعية لمنافسة أمريكا والصين، وفي الوقت نفسه يمنع ألمانيا أو فرنسا من استخدام خزائنهما الأكبر لسحق قدرة بولندا أو البرتغال أو رومانيا على جذب الاستثمار.
- لهذا بدت الـ 26 مليون يورو الخاصة بـ "مان" مشكلة، بينما لا يبدو رقم بمليارات الدولارات تناقضًا تلقائيًا داخل المنظومة الأمريكية. بروكسل تحرس المنافسة بين 27 دولة داخل سوق واحدة، أما واشنطن فتقود دولة واحدة ضخمة ضد منافسيها الخارجيين.
لماذا لا تغضب أوروبا من أمريكا
- لم تختفِ مواقف أوروبا المعارضة، لكنها اندمجت داخل صفقة أكبر، فعندما أطلقت الولايات المتحدة قانون خفض التضخم وما صاحبه من إعانات صناعية ضخمة، ردت أوروبا بتخفيف قواعد الدعم، ثم تغيرت العلاقة أكثر بعد عودة "ترامب".
- في اتفاق التجارة الذي بدأ سياسيًا في يوليو 2025 ثم تحول إلى إطار مشترك في أغسطس، قبل الاتحاد الأوروبي سقفًا جمركيًا أمريكيًا يبلغ 15% على معظم صادراته، وأعلن نيته شراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار حتى عام 2028.

- يضاف إلى ذلك شراء نحو 40 مليار دولار من رقائق الذكاء الاصطناعي، فيما توقعت الشركات الأوروبية استثمارات إضافية قدرها 600 مليار دولار في الولايات المتحدة.
- الأهم أن الاتفاق لم يتوقف عند الرسوم والاستثمارات؛ بل أقر أيضًا التنسيق لمواجهة الممارسات الاقتصادية التي يعتبرها الطرفان مشوِّهة للمنافسة من دول ثالثة.
- لهذا لم تعد مسألة "عدالة دعم أمريكا للشركات" منفصلة بسهولة عن أمور مثل الرسوم، والدفاع، والطاقة، والصين، وسلاسل الإمداد.
- المعلم والتلميذ لا يجلسان في فصل دراسي بعد الآن، إنهما داخل تحالف أمني واقتصادي، لكن أحدهما يملك دولة اتحادية واحدة وأدوات مالية وتنظيمية موحدة، بينما الآخر يحتاج إلى التوفيق بين 27 خزينة و27 مصلحة وطنية.
الامتحان تغير
- لم تنقلب الولايات المتحدة على منهج السوق الحرة كليًا، إنها فقط تستخدم تدخلات استثنائية في قطاعات مرتبطة بالأمن القومي، بينما تظل أغلب الشركات خاصة، وتظل الأسواق هي التي تحدد الأسعار والاستثمار في معظم القطاعات.
- كما أن أوروبا نفسها تتحرك في الاتجاه ذاته، عبر عدة قوانين، بالإضافة إلى سياسات إزالة المخاطر الصينية، لكن الفارق قد يكون في السرعة والمؤسسات، لا في الفلسفة، لكن يظل تباين المواقف واضحًا.
- في عام 1947 دفعت واشنطن نحو نظام يحمي التجارة من الامتيازات والحواجز، وفي 2026 باتت الحكومة نفسها مساهمًا في منتجي الرقائق والليثيوم والمعادن، وتربط التجارة بالأمن القومي وسلاسل الإمداد.

- لم يتخلَّ المعلم عن الكتاب كله، لكنه قرر أن بعض الفصول لم تعد مناسبة للامتحان الجديد، أما التلميذ، فقد بدأ بالفعل تعديل المنهج، لكنه لا يستطيع مواكبة سرعة أستاذه.
- أوروبا ببساطة حساسة تجاه أي تغير قد يحول السوق الموحدة إلى سباق بين أغنى أعضائها، لهذا فإن قصة "مان" تتجاوز مبلغ الـ 26 مليون يورو المتواضع، إنها لقطة صغيرة لعالم أصبح فيه التلميذ النجيب أكثر التزامًا (وربما أكثر احتياجيًا) بالقواعد القديمة من أستاذه.
- من هذا المنظور، ربما لم يخن المعلم تلميذه قط، لكنه أصبح أكثر حاجة لتطوير منهجه كي يتوافق مع متغيرات العصر، فبرأيك كيف سيقيم التاريخ هذه التحولات؟
المصادر: أرقام- منظمة التجارة العالمية- إنتل- إم بي ماتريلز- وزارة الطاقة الأمريكية- البيت الأبيض- المفوضية الأوروبية- رويترز
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}